نهلة جمال.. تكتب: حياة بلا حكايات ((قصة قصيرة))

يحين التلاقي.. تتوقف عقارب الساعة هربا إلي حنين اللقاء.. تستدفئ بمقلتيك وكأن دقائقه المعدودة نسيم يداعب الروح ويطرب الآذان لهمس الترحاب الرقيق بينما تحكي العيون قصص عشاق الحياة منذ عرفت الحكايات، وكعادتها الصباحية تفيق الساعات على صوت إغلاق باب سيارتها وهي تبدأ الغياب اليومي حيث يخطو بتردد مغلقا شرفته المطلة على حديقتها المورقة بالأمل الحزين، ليبدأ في سباته الحياتي حيث لا حكايات سوي الانتظار.

يرتدي بدلته الرمادية الأنيقة ويرتشف قهوته بتملل الحائر مخاطبا صوت العقارب المتخاذلة: كم تعبثين بي فتتمللين في نعاسك طوال النهار، فتح بابا للنسيان بانهماكه في قراءة وجوه الناس وكتابة سطور تقارير العمل، أنامل تعبث بأدائية محترفة لكنها بلا قلب.

قد غاب عنها الإحساس بغياب طيف بسمتها إلي هذا الحد تملكته تلك السمراء الممشوقة ذات البهجة المجروحة؟ فمنذ أن أشرقت بمواجهة شرفته في صيف ماضٍ تقرأ كتابها الصغير وترتشف أحلامها في سكون، أدرك موهبتها الجديدة في قراءة حزنها ووحدتها رغم أسوار السعادة الخادعة التي تحيط بها من جمال ورقة وأناقة، جعلت من يراها يظنها أميرة مدللة بينما هي طفلة يتيمة فقدت للتو الدفء والحنان، لا يدري لماذا اخترق هذا الشعور قلبه وتعالت أمواج الرغبة في احتواء أحزانها.

بعد توسط شمس النهار بالسماء خرج حسين من دوامة الأوراق يلتمس لحظات من الهدوء النفسي وتوجه إلي كهف أمانيه ينتظر عودتها، بل ينتظر عودة الحياة ليومه.

طال الوقت أم تآمر عليه واستسلم لخمول مقيت، نعم ما زال الشارع يحفل بالمارة وما زال الضوء يتخلل فتحات النوافذ.. يحمل أريج زهر الياسمين من شرفتها.. يعلن الاشتياق للارتواء، وبقي حسين طويلا طويلا يتنسم عبير الياسمين الذابل بشرفتها، يكرر كل صباح التحية ويأتي ذكرى همسها: “صباح النشاط أستاذ حسين”.. كما كان يروق لها تحيته، فيُعقِّبُ: “صباح الرقة والسعادة سيدتي”.

لم يعلم كيف اختفت طلتها سبعة أيام، ولماذا لم يقتل ذلك التردد القابع بعقله منذ أشهر ليطلب منها لقاء يبدأ به حياة معها يُعبِّر فيه عن مفاهيم التماسك الأسري وأساليب تربية الأطفال الحديثة ليطمئنها أنه مشروع زوج وأب ناجح، وكأنه الأربعيني الذي فقد سنوات رشده وعاد مراهقا يتصنع الصدف ويسرق لحظات مراقبتها وهي تحتضن كتابها أو تعبث بنباتات شرفتها كطفلة تحدث أقرانها، لماذا لم يطرد وسواسه الشرقي عن مخاطر اقتحام أسوار سيدة ترك بنفسها آخر ذكرى حياة، قصيرة أو طويلة لم تعد مسألة فارقة المهم مَن هو؟ ولمَ؟ ومَن السبب؟ ومن المحب؟ ومن الخائن للعهد؟ تساؤلات لم يفلح حبه في إجابتها وعجزت نفسه على مواجهتها والآن.. صوت ارتطام بشرفتها يوقظ نشوة الحياة فيندفع لاهثا إليه..

عم إبراهيم الحارس بالشرفة يحاول مع سايس المكان تثبيت لوح خشبي يلتف بإعلان أبيض ضخم مزركش بكلمتين، يقف حسين أمامه صامتا.. وحروف الكلمات تغتال أحلامه، وتعلن عن ضياع الحكايات من حياة التردد.. شقة للإيجار.

تعليقات
جاري التحميل...

حقوق النشر والتصميم محفوظة لشركة هاشتاج مصر © 2019

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com