نرمين دميس.. تكتب: العجز المر (قصة قصيرة)

يترقرق الماء على صفحة النهر الخالد الشاهد على قصص وحكايات رواها أصحابها أمامه أو كتبوها فى سطور التحفت بتلك الصفحة الهادئة المنطوية على أسرار كامنة داخلها لم ولن يعرفها أحد.

تقف كعادتها فى ثوبها الأخضر الزاهى تشارك النهر حكايا وأحلام بل وآلام زائريه، تسمع حتى بوح صمتهم، تكره عجزها عن محاورتهم والتخفيف عنهم.

ومع غروب آخر خيوط شمس هذا اليوم، تقدم شاب نحيف أسمر اللون مجعد الشعر تفصح ملامحه عن حزن مقيم فى ثنايا القلب ويأس ساكن بين الضلوع، اقترب ينظر إلى النهر نظرة شاخصة تنم عن قرار خطير.

ومازال النهر ساكنا هادئا، أما هى فراحت تنتفض ذعرا، تكاد تصرخ مما سمعت فى صمته ولكن هيهات أن تصل صرخاتها واستغاثاتها أحد.

تقول لنفسها: “آه لو حبانى الله بمعجزتى الكلام و الحركة فأقتلعه من مكانه إلى أحضانى وأحميه من نفسه وما ينتوى ثم أعود كما كنت عاجزة مشلولة الحركة خرساء.. حتى ولو لمرة واحدة.

صفير الهواء العاصف يطير أوراق الشجر الجافة على الأرض وكأنه نذير شؤم لما هو آت فيزداد هلعها ويتعاظم خوفها.

يتلفت الشاب حوله ليتأكد من خلو الطريق ليتحين اللحظة المناسبة فلا مجال للتراجع ثم يبدأ فى اعتلاء سور الكورنيش.

هى : لا لا أرجوك لاتفعل.. لا تنهى الأمر بتلك الطريقة.. لا تزد أحزانى واحساسي بعجزي فقد هرمت من كثرة ما شهدت.

تزداد قلقا وترقبا، تتمنى لو يمر مار فيمنعه ويفعل ما عجزت هي عنه ولكن يبدو أنه لا أمل فالليلة شديدة البرودة والطريق خال للأسف.

وفجأة سمعت صوت ارتطام بصفحة النهر فعلمت أن السهم قد نفذ وأرادت أن تصرخ صرخات مدوية ولكن ظلت صرخاتها حبيسة داخلها.

وأمطرت السماء فكستها دموعا تتساقط تعبيرا عن حزنها، وهى تعلم أنها لن تكون الأخيرة فتمنت لو اقتلعت من جذورها ورحمت من هذا الشعور الأليم فقد طفح الكيل واكتفى.. وعندما توقف المطر عادت صفحة النهر إلى هدوئها، وكأن شيئا لم يكن.

تعليقات
جاري التحميل...

حقوق النشر والتصميم محفوظة لشركة هاشتاج مصر © 2020

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com