ميرهان خليل.. تكتب: العائدة إلى الله

تمر عليها الايام ثقيلة بلا روح، فقط نظرتها في عيون اولادها هي التي كانت تشعرها بالسعادة.

ثم ظهر فجأه في حياتها في احدى تجمعات الاصدقاء، شاب مفعم بالحياة، وسيم، ذو مركز اجتماعي مرموق، اعجب بها، وهى التي تعيش حالة تجاهل من زوجها منذ سنوات لا تكاد تذكرها، اما هو فكان يتأمل وجهها وعينيها بحب واعجاب، يهتم بما تقول، كأنها حينما تتحدث تلقي بمحاضرة هامة، لدرجة انها كانت تتوتر من اهتمامه بها، هى التي لم تشعر من قبل انها تستحق هذا الاهتمام او هذه المعاملة.

فجأة ارتجت الارض تحت اقدامها، فما تشعر به لا يمكنها قبوله او تصوره، فقد اغلقت قلبها منذ سنوات رضيت بحياتها مع زوج دون مشاعر، لقد سلمت منذ اعوام ان تزرع كل طاقة  الحب التى بداخلها تجاه اولادها ،اخواتها، أصدقائها حتى الطيور والحيوانات عندما يأست من حب زوجها، لكن هذا نوع مختلف من الحب نوع لم تعرفه من قبل.

لم تستطع مقاومة هذه المشاعر، توسلت الي ربها ان ينقذها من هذه الأحاسيس فهى لم تعتاد الخطأ او الخيانه … اعتبرت ان مجرد مشاعرها تجاه رجل غير زوجها خيانة  كيف لها ان تفعل ذلك، وهى الملقبة في عائلتها بالطاهرة، فقد كانت بنات خالاتها وعماتها يسخرون منها لانها لم تتعرف على اى شاب من قبل حتى في فترة المراهقة والجامعه. تزوجت اول عريس تقدم لها، رأى فيه والدها الرجل المناسب.

نعم كان مناسبا من الناحيه الاجتماعيه والمادية، لكنه لم يكن الرجل المناسب لشخصية  رومانسية مثلها.. تمادت في علاقتها مع الآخر لم تستطع مقاومة ما كانت تشعر به معه من ضحكات وكلمات غزل كلما قابلته، يشعرُها انها مازالت فتاة صغيرة تلمع عينيها عند رؤية حبيبها، اصبح جمالها اكثر توهجاً، لم تشعر  من  قبل بزيادة  نبضات القلب او ارتعاش اليدين بمجرد ان تلمسها يديه عند السلام.

 تسأله لماذا انا؟! يرد هو: هذه مشاعري ليست بيدي انه ليس زر اضغط عليه كي أغلق حبك في قلبي واصبح بينهم مقابلات في اماكن عامة وسط الاصدقاء في البداية، ثم بدأت تقابله وحدها.

اخذها الى احلى وأجمل اماكن السهر والخروج التي كانت تتمنى ان تذهب اليها مع زوجها، علمها رقص السلسا الذي طالما طلبت من زوحها ان تتعلمها معه وكان يرفض استخفافا بافكارها.

اما الآخر جعلها تضحك من قلبها، اصبح الكذب اسلوب حياه حتى تستطيع السهر مرة او مرتين بالاسبوع حتى الفجر، كل هذا وزوجها لا يسألها اين تذهب، ماجعلها تتمادى في السهر اكثر، كان شيئا بداخلها يريد ان يلفت نظره لينقذها مما هي غارقة فيه لكنه لم يهتم بل حتى لم يشعر بالتغيرات التي طرأت عليها، فاصبحت تنتقم من برودة مشاعره بالغوص والانغماس اكثر في هذه العلاقة، اذا لم تذهب لمقابلته فهى مشغولة معه بالمكالمات طيلة اليوم، المفاجأة ان وجوده جعلها  لا ترى عيوب زوجها بل اصبحت لا تنظر اليه، او توجه له حديثا، شغلها الآخر بحبه واهتمامه.

كان يسألها في ادق تفاصيل حياتها، يعلم عنها كل شئ، ما تحب وتكره من الوانها المفضلة في الملابس او طعام ويقدمه لها في صورة هدايا عند كل مقابلة واستمرت على هذا الحال ما يقرب من سنتين ولا تستطيع ان ترفض له طلباً، كيف ترفض وهي غارقة في حب كلامه المعسول والى ان جاء اليوم الذي سقطت فيه لم تعُد الطاهرة كما كان يقال عنها، كانت النتيجة انها كرهته بشدة قدر ما احبته.

فقد اغضبت ربها بسببه، كما كرهت زوجها اكثر الذي دفع بها الى هذا الآخر باهماله لها ولمشاعرها، كانت تنظر لاطفالها وتشعر انها شيطانة لا تستحق ان تكون ام لهؤلاء الملائكة الصغار، تبكى ليل نهار، عندما يسألها زوجها ماذا بها؟! تنظر اليه بغضب وكره مستنكرة سؤاله عن حالها هو الذي لم يعرفها او يحاول فهمها كل لسنوات يسأل عنها الان بعد ماحدث..

ابتعدت عن الآخر لم تعد ترد على مكالماته، اعتزلت الحياة لا تخرج من منزلها حتى انها اصبحت غير قادرة على رعاية اطفالها إلى ان دق جرس الباب ذات يوم، قامت في تكاسل شديد وتباطؤ لفتح الباب، لتجد امامها احدى جاراتها، سيدة مسنة بشوشة الوجه ترتدي حجاب ابيض ينير وجهها، تسأل عنها في قلق، انتى كويسة يا بنتى؟! من فترة مش بشوفك على السلم ولا في الاسانسير زى الاول، كنتى طالعه نازلة بالولدين كل يوم.

تجيبها انا فعلا تعبانة شوية، تشعر بحرج لوقوف هذه السيدة على بابها وهى في سن والدتها، فتطلب منها الدخول لتعزمها على فنجان من القهوة، دار بينهم حوار طويل عن الاولاد والحياة شعرت معها بطمأنينة كالتي كانت تشعر بها مع والدتها قبل وفاتها.

توالت زيارات هذه السيده على منزلها في كل زيارة  تشعر براحة اكبر لوجودها، الى ان اعترفت لها ذات يوم بخطئها، ظلت تستمع اليها بحب واهتمام وهي تحكي دون تعليق، تبكي بحرقه اثناء الحديث يعلو صوتها بالبكاء والنحيب غضبا على نفسها مما فعلت.

بعد ان انهت حديثها توقعت ان تثور هذه السيدة بوجهها وتلعنها، لكنها نظرت اليها قائلة، انتي بشر كفاكي جلداً لذاتك وكرهاً لها ان الله غفور رحيم، فقط اطلبي منه ان يغفر لكى ويتوب عليكي، اصبحت تزورها يوميا  تهدئ من حالتها، وهي مازالت على حالها بل تزداد سؤ كل يوم، الى ان جاء يوم كانت في اشد حالات الحزن والغضب فكرت في الذهاب الي بيت الله للاعتذار هناك وطلب المغفرة منه كانت متأكدة انها حينما تذهب اليه لن يرد بابه في وجهها.

لم تخبر احداً برغبتها في أداء العمرة ذهبت لاحدى شركات السياحة، بعد ان رتبت كل اوراقها وعلمت بموعد السفر اخبرت زوجها، الذي اندهش من قرارها المفاجئ، لكنه كان يرى انهيارها النفسى في الشهور الاخيرة لهذا لم يعترض بل شجعها على السفر، ما ان وطأت قدميها ارض الحرم إلا وشعرت بكل ما كانت تحتاج من راحة وامان انزل الله على قلبها سكينته ورحمته، بكت ندما وحزنا على ما فرطت في حق ربها.

واثناء اداءها العمرة وهى في السعي بين الصفا والمروة  سقطت ارضاً اعتقدت السيدة التى كانت ترافقها انها اغمى عليها من المجهود مالت عليها تهزها برفق، لكن ابت الروح التائبة ان تترك اعتاب الرحمن، ذهبت اليه تدق باب التوبة صادقة ففتح لها بابه بل قبض روحها عنده لتعود اليه من اطهر الاراضي.

تعليقات
جاري التحميل...

حقوق النشر والتصميم محفوظة لشركة هاشتاج مصر © 2019

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com