محسن صالح.. يكتب قصة قصيرة: جلسة بيع

كلهم جلوس في حجرة أمي، الشباك الخشبي الأخضر هناك، الدولاب الخشبي الأخضر كذلك.. دولاب ضخم يحمل كل ملابسنا القديمة والجديدة، كنا نختبيء فيه ونحن صغار من غضب أمنا، يرقد فيه ثلاثتنا أنا وأخي الأكبر وأختي الصغري التي دائما ماينادون عليها ويسبونها ويقولون لها بألا تسايرنا مرددين كلمة “إنت بنت”، فتضحك ونضحك ونحن نخطف الطعام الخارج من طاسة الزيت نأكله ساخنا وكأننا في سباق محموم.

حينما ننام، ننام في أي مكان وفي أي وقت دون ترتيب واضح يأخذنا ملاك النوم، كما كانت تقول أمي وننام مع الملايكه نأكل رز بلبن. كلهم ينظرون إلي نفس المكان الذي شهد آخر أيام حياتها، إلى حجرتها، إلى سريرها، يدارون نظراتهم الخاطفة الزائغة، فهم متوترون من شيء ما، إنهم في مهمة يريدون إنهائها على نحو عاجل وفي جلسة واحدة.

الأخ الأكبر علا رأسه الشيب، إنحناءة قليلة في أعلي ظهره، سنواته التي تعدت الستين شهدت مؤخرا عملية جراحية في شرايين القلب قضت علي مدخراته.

الأخت الكبري دائما تتعثر بأي شئ وتسب أي شئ وكأنها خلقت ككتلة من السباب وعدم قبول أي شيء حواليها.

ابنتها الوحيدة هي كل حياتها ومدار اهتمامها، الأخت الصغري تشكو الفاقة وقلة ذات اليد مع تصاعد متطلبات الحياة ومصاريف أولادها التي تثقل كاهلها.. داء القلب الذي أصابها مؤخرا وسقطت من جرائه مغميا عليها ذات صباح أيقظنا كلنا على ضرورة الاهتمام بها ورعايتها والاقتراب منها أكثر.

 حينما تتنفس، تتنفس بصعوبة وكأنها تصعد سلما عاليا دون توقف. حينما ننظر إليها نحس كـأنها ستموت في ليلتها أنا فقط الذي أنظر إلى مكان أمي إلى وسادة أمي، إلى كيس علاجها البلاستيكي الذي لازلت محتفظا به حتي الأن.

عصا أمي ترقد هناك بين سريرها والحائط بنية اللون قطعة من أيام حية تتراكم في دخلي. الكل جاء يريد المال، يريد بيع الماضي وأخذ حصته والهروب من خارج قبضة الزمان والمكان بمنطق غريب وقاسي “الحي أبقي من الميت” أنظر إلى أخي الأكبر وإلى أختي الكبري وتلك الصغري، لأجد الطفولة زايلتهم وحل محلها شئ جهم ثقيل وغريب كأنه قطع من حديد الخردة الصدئ. المنزل مخطط له أن يباع لأحد السمسارة والذي أحضره أخي الأكبر ورضي بثمن شرائه لمنزل العيلة.

جاء السمسار داس بحذائه مكان صلاة أمي ونظر إلى دولابها وإلى أشيائها ورفع شفته بإمتعاض سائلا عن مساحة المنزل وعمره.. كلمات أخي عن الغاز الطبيعي والتليفون والقرب من شارع الهرم الرئيسي لم تخفف من نظرة الامتعاض على وجهه الخشبي اللزج.

السكين الحادة في صدري لدخول هذا السمسار لايزال قلبي يدمي من إثرها.. الكراكيب التي تحدث عنها ومن سيحملها هي أشياء أمي دولابها الخشبي، سريرها المعدني الرمادي والذي كم لعبنا تحته وكم أكلت كحك العيد وبسكويته مختبئا وأمي تجدني فتمد يدا حنونا تأخذني فيها إلى أعلي السرير تصنع لي الشاي بالحليب وتضع لي مالذ وطاب من كحك العيد والغريبة والبسكويت الجميل.

خطوات السمسار تهبط السلم وقد ألقى علينا أنا وأخي ثمن بيت أمي كلكمة في وجوهنا، وقفنا لا نريد أنت نتحرك في المدخل وأختي الكبري في توترها وقلقها تصر على البيع بأي ثمن وأنا أداري دموعا سالت على خدي وأنا أري بقايا حذاء السمسار على السلم الحجري الذي كم غسلته يد أمي بالماء ونحن صغار.. وكم لعبنا عليه وقضينا سنين البراءة في طفولتنا.

وجدتني أهرب من بوابة منزلنا ونداءات أخوتي تتردد في أذني وقد عقدت النية على شراء منزل العيلة بأي ثمن حتي لو بعت شقتي التي اشتريتها منذ عدة سنوات وتفوق في ثمنها أضعاف ثمن منزل العيلة.. تذكرت كلمة أمل دنقل وهو يقول “هي أشياء لا تشتري” وأنا أرتب كيف سأشتري هذا المنزل مهما كلفني من مال وبقايا دموعي قد جفت على خدي وأنا أداري توترا باديا عليا.

تعليقات
جاري التحميل...

حقوق النشر والتصميم محفوظة لشركة هاشتاج مصر © 2020

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com