عمر السيد عبد الرؤوف.. يكتب: ستصبح ملكي (قصة قصيرة)

ترجل من سيارته الفارهة وأخذ يجوب حدائق الموالح التي يملكها وفي منتصف الحديقة توقف أما شجرة الكافور وارفة الظلال واستوقفته عبارة منحوتة عليها “ستصبح ملكي“.. وعادت به السنون حيث كان طفلاً صغيراً يلهو في ذلك المكان الذي كان يعمل فيه أبوه ويتذكر انحناءة ظهره، وجبينه المشعشع بالعرق وتلك الصرة الصغيرة التي كان يحمل فيها أبوه بعض قطع الخبز الجاف والبصل الناشف والجبن المملح لغدائه عندما تحين ساعة راحته، وكانت شجرة البرتقال قد اكتملت ثمراتها ونضجت وكست الصفرة ملامحها، قال الصغير لأبيه الحاج علي :إني أشتهي ثمرة البرتقال يا أبي.

نظر إليه أبوه قائلاً بصوت يملؤه نوازع الحنان: إنها ليست لنا يا بني وعندما أستلم راتبي سأشتري لك بعض منها، دمعت عينا الصغير وأخذ يخفي دموعه كما يخفي البخيل كنزه ولم يتحمل أبوه تلك الدموع الصغيرة وذلك الجسد النحيل الذي أنهكه الفقر وسوء التغذية، فقطف له واحدة ولكن الأب باغته ذلك الصوت الأجش صائحاً في وجهه: أتجرؤ على سرقتي أيها الخائن للأمانة كان ذلك صوت الحاج مختار وهو رجل في الخمسين من عمره وما زال وجهه محمراً بالعافية لديه شاربان يفتلهما بزهوٍ وكأنهما ثروته وكنزه.

فرد الأب قائلاً إنها مجرد ثمرة صغيرة يا حاج مختار حاشا الله أن أخون الأمانة فهذا ليس من طبعي اخصمها من راتبي.

ولكن الحاج مختار انتفض غاضباً ثم صفعه على وجهه وركله برجله ولم يوقفه بكاء الصغير وتوسلاته في أن يترك الرجل أباه ثم صاح في وجهه ليترك الحديقة مطروداً منها إلى غير عودة، أخذ الأب يبكي وينشج نشيجاً عالياً متأثراً بما حدث له ونظرات الانكسار التي مر بها أما ابنه، وعاد الأب إلى البيت باكياً على حاله وعلى الفقر الذي أنهكه وعرضه للذل والإهانة وفي الصباح الباكر استيقظت القرية على صراخ أهل بيت الحاج علي حيث فارق الأب الحياة، ومنذ تلك اللحظة اختفى الغلام وبحث عنه الجميع لكن بدون جدوى.

لقد هرب من القرية وقبل أن يخرج منها ويودع الحياة فيها نحت تلك العبارة على شجرة الكافور ستكون ملكي، ومرت السنون وتغيرت الأحوال وتعرض الحاج مختار لأزمات مالية طاحنة جعلته يبيع أملاكه في المزاد العلني واجتمع الحاضرون يتنافسون في شراء أملاك الحاج مختار ويعلنون أسعاراً بخسة، وفي وسطهم يجلس رجل ذو هيبة بملابس أنيقه حوله عدد كبير من الرجال مفتولي العضلات يتخذ منهم حراساً له يشير إلى حدهم برفع السعر للحد الذي عجز عنه الجميع.

وانتقلت جميع أملاك الحاج مختار له وبعدها دمعت عيناه مطلقاً تلك العبارة رحمة الله عليك يا أبي وأسماها حديقة الحاج على وجعلها وقفاً للفقراء والمحتاجين من أبناء قريته ثم رحل مرة أخرى واختفى بعيداً عن الأنظار.

تعليقات
جاري التحميل...

حقوق النشر والتصميم محفوظة لشركة هاشتاج مصر © 2019

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com