عمر السيد عبد الرؤوف.. يكتب: الحاجة إحسان (قصة قصيرة)

 

 

في أحد الأحياء الفقيرة المعدمة  والتي تسمى حارة الطيبين تجلس الحاجة إحسان ذات الثمانين عاماً تفترش الأرض، ترتدي عباءة سوداء جارت الشمس والأيام عليها فأزالت من لونها فبدأت تميل إلى الإغبرار ولقد داهمتها بعد الفتوق ولكنها مازالت تستر جسدها النحيل، تقوس ظهرها وانحت قامتها وتركت السنون آثارها على وجهها، لا تبارح مكانها صيفاً ولا شتاءً إلا عند الذهاب إلى غرفتها الصغيرة في أحد البيوت الفقيرة، تتلقى المساعدة والإحسان من أهل الحارة جميعاً ويشفقون عليها.

في ليلة ماطرة من أيام الشتاء الباردة وجدها الناس تصرخ من الألم وتقبض براحتيها على بطنها؛ فأسرع الناس ونقلوها للمشفى ولكنها لفظت أنفاسها الأخيرة. شعر أهل الحارة جميعاً بالصدمة فهي بالنسبة لهم كانت بمثابة الأم العطوف دائما تمدهم بالحكمة وتفيض عليهم من الدعاء، ويشعرون وكأنها فرداً من عائلتهم، شيعوها إلى مثواها الأخير وبكوا كثيراً عند قبرها ولما عاد الجميع تشاورا في أمر غرفتها ومحتوياتها واستقر بهم القول للبحث فيها لعلهم يجدون في محتوياتها ما يدلهم على قريب لها.

وهنا كانت الصدمة حيث وجدوا حقيبة كبيرة سوداء وبها أموال كثيرة، ووجدوا فيها خطاباً يبدوا أنه وصية فتحوها وقرأها أحدهم وأثناء قراءتها اغرورقت عيناه بالدموع حين علم أنها خصصت كل هذه الأموال التي جمعتها منذ سنين طويلة لأهل حارتها الذين اختصوها بالرعاية والاهتمام وكانوا نعم الأهل بالنسبة لها! وقالت: إن هذه الأموال التي جمعتها لم تمثل لها أي قيمة بعد فقدها لزوجها الراحل وابنها الذي هاجر وانقطعت أخباره وتركها وحيدة تعاني الألم والوحدة.

بنوا بالأموال مسجداً كبيراً وأسموه مسجد الحاجة إحسان، ومدرسة ابتدائية كتبوا في مدخلها:  مدرسة الحاجة إحسان أم حارة الطيبين.

Comments
Loading...