علاء عبد الحميد.. يكتب: رشيد.. مدينة مصرية تهزم الإمبراطورية البريطانية ((2))

وصلت الحملة الإنجليزية إلى مدينة رشيد، الجيش الإنجليزي بكامل العدة والعتاد الحربي، ما يقرب من 2000 جندي بأسلحتهم ومعداتهم، محافظ رشيد آنذاك هو علي بك السلانكي، والقوات الموجودة بالمدينة تقارب 500 جندي فقط، فماذا يفعل محافظ رشيد.

حقيقة الأمر أن محافظ رشيد قرر الدفاع عن المدينة حتى الموت ولم يفكر لحظة، ولكنه إتخذ عدة إجراءات لتنظيم عملية التصدي للحملة الإنجليزية، وذلك عندما سمع بقرب وصول الإنجليز وتحركهم ناحية رشيد، عقد مجلس من كبار المدينة وأعيانها وعلى رأسهم نقيب أشراف رشيد الشيخ حسن كريت الذي قرر المشاركة في الدفاع عن المدينة، حيث كان يخطب في المساجد يحث الناس على الجهاد والدفاع عن المدينة.

تقرر في المجلس استخدام كافة الأسلحة في الدفاع عن المدينة، وأصدر على بك السلانكي أمراً بإبعاد المراكب من مراسي رشيد( الشاطىء الغربي لفرع النيل) إلى (الشاطىء الشرقي لفرع النيل) ناحية معدية رشيد والجزيرة الخضراء وبرج مغيزل(بمركز مطوبس حالياً)، ولكن ما المغزى من ذلك أولاً حتى لا يستخدم الإنجليز المراكب في حصار المدينة أو التحرك بها في مياه النيل، ثانياً حتى لا يجد رجال الحامية في المدينة مفر من الدفاع وكذلك الشعب، فلا مفر من القتال والكفاح، وهذا يذكرنا بما فعله طارق بن زياد في فتح الأندلس، فالعدو أمامهم والبحر خلفهم، كذلك أمر رجال الحامية بالتراجع والتحصن مع الأهالي داخل المدينة، وأن يتحصن الأهالي في بيوتهم وتغلق الحوانيت، وأن لا يصدر صوتاً من البيوت حتى صوت الأطفال الصغار، وأن يستعد الرجال والنساء بما يستطيعون، وهذا يدل على براعة في ميدان الحرب.

ولكن ما موقف القاهرة من الأحداث في رشيد، محمد علي باشا خارج القاهرة يحارب المماليك في الصعيد، وهنا أرسل السيد عمر مكرم نقيب الأشراف رسالة إلى والي رشيد يأمره فيها بالدفاع عن المدينة، ويوضح له خطورة الأمر وخاصة أن محمد علي باشا مشغول في حرب المماليك، فالدفاع عن المدينة سيكون من أهلها ومن بها من الجند فقط.

جاء يوم 31 مارس 1807، تقدمت الحملة الإنجليزية ودخلت مدينة رشيد، كانت المدينة خاوية ليس فيها أي شيء يدل على أن بها سكان وكانت تلك هى الخدعة والإشارة بأن تبقى المدينة هادئة ولا يتم الاشتباك مع الإنجليز إلا بعد صدور الإشارة وهى صوت ” الله أكبر .. حي على الجهاد” وتم الاتفاق بأن يصدر الصوت من مئذنة مسجد زغلول ( الذي يقع في وسط مدينة رشيد)، ومع الإشارة دارت معركة شرسة شارك ” الرشايدة” فيها بكل ما لديهم وخرجت الحامية تهاجم جنود الحملة من كل جانب، والنساء كانوا يصبون الماء المغلي والزيت على الغزاة أيضاً، وضربت المدينة أروع الأمثلة في الكفاح والدفاع عن الوطن، لقد ظن الإنجليز أن المدينة خاوية وأن رشيد سقطت بدون طلقة واحدة، ولكن كل ذلك كان في صالح نجاح المعركة، كانت كارثة بكل المقاييس على الحملة، فقد قدرت الخسائر في صفوف الإنجليز بــ 170 قتيل، و250 جريح، 120 أسير، تم إذلال الجيش البريطاني في مدينة صغيرة وعلى أيدي عدد محدود من الجند والأهالي الذين كانوا يستخدمون السلاح الأبيض والنبابيت فقط في مقابل البنادق والأسلحة. 

كانت نتائج معركة رشيد الباسلة عظيمة، هزيمة الحملة بطريقة جعلت فريزر يشعر بالعار والفضيحة، فهو القائد البريطاني الذي خاض حروباً كبيرة، وقتل الكثير من قادة وضباط الحملة وهو ما كان يمثل ضربة قوية وقاسية لفريزر، تم إرسال الأسرى إلى القاهرة في موكب ” زفة” بطريقة تجعلهم لا يتحملون الحياة، خلل في صفوف الحملة جعلهم يفقدون السيطرة فوقعوا فريسة لأهل رشيد، هكذا كانت معركة رشيد الباسلة، يوم من أيام الفخر الوطنية، وصفحة ناصعة لمدينة هزمت الإنجليز، لكن ما الموقف بعد رشيد؟ ما الذي يفكر فيه فريزر؟ وما الاستعدادات التي سيتخذها محافظ رشيد ونقيب أشرافها؟ وما موقف القاهرة ومحمد علي باشا ؟؟.

لقد وصف فريزر معركة رشيد ” أنها معركة غير متوقعة وكارثة فادحة حلت بقواته” وكان لأنباء إنتصار رشيد على الجيش البريطاني انتشرت ووصلت إلى كافة ربوع مصر، صدى كبير، خاصة المدن القريبة مثل دمنهور والإسكندرية، وهو ما جعلهم يشعرون بالشجاعة والحماس، ثم وصلت إلى القاهرة مقر الحكم، كان لهذا النصر الكبير بلا شك أكبر الأثر في تشكيل حماس الشعب المصري بكافة طبقاته، والإصرار على القتال ضد العدو.

جاء موقف فريزر بعد الهزيمة الأولى في رشيد، بأن قرر الهجوم مرة أخرى على المدينة لأنها كسرت هيبة الجيش البريطاني، فأرسل حملة من بلغ عدد قواتها 4000 جندي تحت قيادة الجنرال الإنجليزي ستيوارت،وتحرك الجيش الإنجليزي مرة أخرى من الإسكندرية لاحتلال رشيد وذلك يوم 3 أبريل 1807 وعندما وصلت القوات قرب رشيد، أرسل ستيوارت كتيبة إلى قرية الحماد ( الواقعة جنوب رشيد بين النيل وإدكو)، والهدف هو عدم وصول أي إمدادات إلى رشيد من الجنوب وتأمين مؤخرة الجيش الإنجليزي الذي يحاصر المدينة.

خطوة أخرى قام بها الجيش البريطاني وهى أن قام باحتلال جبل أبي مندور، ونصب الإنجليز المدافع عليه وأخذوا يقصفون رشيد بالقنابل، استمر القصف 12 يوماً من يوم 7 إبريل وحتى 21 إبريل، ولم يؤثر القصف في نفوس أهالي رشيد وجنودها، بل تحمل أهالي المدينة وصمدوا أمام  الحصار والقصف دون أن يصيبهم الرعب والفزع مثلما كان يتوقع الإنجليز، وهو ما أثار دهشة ستيوارت الذي كان ينتظر أن يدب الضعف في نفوس الأهالي ويستولى على المدينة.

وأمام هذا الموقف العصيب طلبت رشيد الباسلة المدد والعون من القاهرة، فأرسل نقيب أشراف المدينة الشيخ حسن كريت رسائل إلى السيد عمر مكرم يستنجد به ويطلب فيها إمداد رشيد، وكان محمد علي باشا آنذاك في الصعيد، وعاد إلى القاهرة يوم 12 أبريل وبدأ يجهز العدة لحسم الموقف في رشيد.

فرح محمد علي باشا بما حققته رشيد من إنتصارات على الإنجليز، ولكنه أكمل تحصينات القاهرة عاصمة البلاد، وبدأ بإعداد جيش للزحف إلى رشيد، تكون هذا الجيش من 4000 مقاتل من المشاة، و1500 من الفرسان، تحت قيادة طبوز أوغلي ( كتخدا بك) أو نائب محمد علي باشا.( طبوز أوغلي هو جد حسين رشدي رئيس مجلس النظار في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني).

كان الإنجليز ينتظرون المدد من المماليك ولكن دون جدوى، فالحرب قائمة على أشدها في الشمال بين الإنجليز ومدينة رشيد، وفي الصعيد بين محمد علي باشا والمماليك، وأمام كل هذا قام المصريون بتركيب مدفعين على الشاطي الشرقي للنيل ( بشاطىء مطوبس) وأخذوا يقصفون القنابل على ميمنة الجيش البريطاني بالبر الغربي، وأيضاً لإسكات المدافع الإنجليزية التي تضرب رشيد، هذا هو الوضع قبل وصول قوات محمد علي باشا.

جاءت قوات محمد علي باشا، عبارة عن فرقتين واحدة تحت قيادة طبوز أوغلي وقد أتخذ خط سيره الساحل الشرقي للنيل، والفرقة الثانية كانت بقيادة حسن باشا وأتخذ  طريقه بالساحل الغربي للنيل، وكانت الفرقتين تسيران بحذاء واحد على ضفتي النيل حتى وصلوا  تجاه قرية الحماد، أقام حسن باشا معسكره جنوب القرية، وعسكرت الفرقة الأولى في قرية برنبال ( إحدى قرى مدينة مطوبس) وأيضاً تجاه الفرقة الثانية.

جاء يوم 21 أبريل، وهو يوم حاسم في تاريخ مصر في مطلع القرن التاسع عشر، لأنه رسم الخطوط الأساسية لأشياء كثيرة بعد ذلك، عبر طبوز أوغلي النيل من برنبال  ليلة 21 وانضم إلى حسن باشا، وقاموا بمهاجمة الجيش البريطاني، دارت معركة حامية الوطيس، إنتهت بهزيمة الجيش البريطاني في الحماد، كانت الهزيمة كارثة حتى بلغت خسائر الإنجليز 416 قتيل، و٤٠٠ أسير، كان ذل للجيش البريطاني، الذي إنسحب يجر أذيال الهزيمة والعار، وتم فك الحصار عن رشيد.

تم جلاء ما بقي من الحملة عن أرض مصر، يوم 19 سبتمبر 1807، وهو العيد القومي لمحافظة البحيرة من عام، وذلك بعد أن تم عقد معاهدة دمنهور بين الطرفين المصري والإنجليزي في  14 سبتمبر من الشهر نفسه.

كانت وستظل معارك رشيد ضد العدوان الإنجليزي محفورة في ذاكرة الوطن، وجزء مهم من تاريخ الكفاح الوطني المصري، الذي ما زالت آثاره شاهده على ذلك الإنتصار العظيم.

تعليقات
جاري التحميل...

حقوق النشر والتصميم محفوظة لشركة هاشتاج مصر © 2019

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com