علاء عبد الحميد.. يكتب: الشهور القبطية والهوية المصرية

التقويم المصري القبطي، هو أحد أهم عناصر التراث القبطي التي مازالت محفوظة إلى يومنا هذا في التراث الشعبي المصري، والتقويم القبطي وما أرتبط به من عادات وتقاليد ورثها المصري المسيحي والمسلم، محفوظة في السنة الزراعية والأمثال الشعبية والاحتفالات الدينية التي إرتبطت بكل شهر من شهور السنة القبطية وظلت راسخة في الوجدان، هذه العادات يشترك فيها المسيحي والمسلم على اختلاف ثقافتهم، والتقويم القبطي هو في الأصل التقويم المصري القديم، وبدأ التقويم القبطي عام 284م، وهو العام الذي تولى فيه الإمبراطور دقلديانوس الحكم وسمي بتقويم الشهداء، نظراً لما قام به من أعمال وحشية المسيحيين في مصر خاصة الإمبراطورية الرومانية عامة.

والتقويم القبطي، تقويم شمسي مرتبط بالزراعة والمواسم المختلفة لها، والسنة القبطية 13 شهر، عبارة عن ثلاثة مواسم كل موسم 4 شهور كل شهر 30 يوماً، والشهر الأخير عبارة عن 5 أيام في السنة البسيطة و6 أيام في السنة الكبيسة، وقد ارتبطت بهذه الشهور مجموعة من العادات والتقاليد المرتبطة بالزراعة وأحوال المناخ، هذه الأمثال أطلقها المصري وتوارثها الأجداد ثم الأحفاد، وظلت محفوظة في الذاكرة الوطنية والثقافة المصرية كأحد عناصر الهوية التي تميز النظام الزراعي في مصر، ولا نبالغ إذا قلنا أن التقويم القبطي دفتر أحوال للسنة الزراعية المصرية، تشترك فيها علم الزراعة مع الفلك والمناخ، وهو ما وضحه الرحالة والمؤرخين .

لعل أهم ما ارتبط بالشهور القبطية هى تلك الأمثال الشعبية التي صاغها المصري، لكي تعبر عن أحواله خلال مواسم السنة، ورأس السنة القبطية ” شهر توت” الذي يبدأ في 11 سبتمبر وينتهي في 10 أكتوبر، وارتبط بهذا الشهر أمثال منها “توت يقول للحر موت” الذي يدل انتهاء فصل الصيف وإنكسار الحر “توت أروي ولا تفوت” أي يجب ري الأرض في توت وغيرها من الأمثال، مثل “توت حاوي توت” و”في توت لا تدع الفرصة تفوت”.

وشهر بابة يبدأ في 11 أكتوبر وينتهي في 9 نوفمبر، وارتبط به عدة أمثال “بابة خش وأقفل الدرابة” أي طاقة البيت أو الشباك بسبب البرد، و” إن صح زرع بابة يغلب النهابة وإن خاب زرع بابة ما يجبش ولا لبابة”، ثم يأتي الشهر الثالث هاتور يبدأ في 10 نوفمبر وينتهي 9 ديسمبر والأمثال المرتبطة به “هاتور أبو الدهب منثور” كناية عن زراعة القمح، و”إن فاتك زرع هاتور أصبر لما السنة تدور”، أما شهر كيهك يبدأ في 10 ديسمبر وينتهي في 8 يناير ويرتبط به عدة أمثلة تدل على العادات الاجتماعية والزراعية والوقت مثل “كياك صباحك مساك تقوم من فطورك تحضر عشاك” وهى دلالة على قصر النهار في كيهك، “كياك تقوم من النوم تحضر عشاك” و”كياك صباحك مساك شيل إيدك من غداك وحطها في عشاك” ومثل آخر هو” البهايم اللي متشبعش في كياك إدعي عليها بالهلاك”.

ثم يأتي شهر طوبة والذي يبدأ في 9 يناير حتى 7 فبراير، وفيه يتم تطويب الأرض وتنمو فيه المحاصيل الزراعية، وارتبط به أمثال “طوبة يخلي الشابة كركوبة” و”طوبة يخلي الصبية جلدة والعجوزة قردة” و”طوبة فيه البرد والأعجوبة” دليل على شدة البرد، ويرتبط بشهر طوبة عيد الغطاس والمثل الشعبي المرتبط به “اللي مياكلش قلقاس يصبح جتة من غير راس”، بعد طوبة يأتي شهر أمشير ويبدأ في8 فبراير وحتى 10 مارس ويرتبط به أمثال زرعية ومناخية مثل ” أمشير أبو الزعابير الكتير ياخد العجوزة ويطير” و”أمشير أبو الزعابير الكتير ياخد الهدوم ويطير” و”أمشير أبو الزعابير الكتير أبو الطبل الكبير” و “أمشير يقول لبرمهات عشرة مني خد وعشرة منك هات نطير العجوز بين السفكات” وكلها تدل على تقلب الأجواء فيه من رياح وشمس وأمطار وأتربة.

والشهر السابع في السنة القبطية وهو شهر برمهات الذي يبدأ في 11 مارس وينتهي في 8 ابريل ويرتبط عدة أمثال أيضاً مناخية وزراعية حيث قرب موسم الحصاد حيث الشمس والحرارة التي تساعد على نضح المحاصيل الزراعية ومن أمثال هذا الشهر “برمهات روح الغيط وهات” و”برمهات روح الغيط وهات قمحات وعدسات وبصلات” و”برمهات فتش في الغيط وهات من كل الخيرات”، وبعد برمهات يأتي شهر برمودة ويبدأ في 9 أبريل وحتى 8 مايو، وفيه يكون حصاد القمح، ومن أمثاله “برمودة دق العامودة” أي ضرب سنابل القمح، وبعده يأتي شهر بشنس الذي يبدأ في 9 مايو وحتى 7 يونيه، وفيه يكون الليل قصير والنهار طويلاً ومن أمثاله “بشنس يكنس الغيط كنس” دليل على خلو الأرض والحقول من المحاصيل و” في بشنس خلي بالك من الشمس” وذلك لشدة الشمس وحرارتها.

أما الشهر العاشر من الشهور القبطية فهو شهر بؤونة ويبدأ في 8 يونيه وحتى 7 يوليه، ويرتبط به عوامل مناخية مثل ارتفاع درجة الحرارة وشدة الشمس ويبدأ النيل في الزيادة، ومن أمثال هذا الشهر “بؤونة نقل وتخزين المؤونة” و”بؤونة تكثر فيه الحرارة الملعونة” و”شهر بؤونة يقلق الحجر” و”بؤونة تنشف المية من الماعونة”، ثم يأتي شهر أبيب ويبدأ في 8 يوليه وحتى 6 أغسطس، ومن أمثاله “أبيب فيه العنب يطيب” و”أبيب مية النيل فيه تريب” أي تكثر وتزيد، و”أبيب طباخ العنب والزبيب” و”إن أكلت ملوخية في أبيب هات لبطنك طبيب” و”أبيب أبو اللهاليب”، وبعد أبيب يأتي الشهر الثاني عشر وهو مسرى ويبدأ في 7 أغسطس حتى 5 سبتمبر وارتبط به أمثال منها “مسرى تجري فيه كل ترعة عسرة” و ” في مسرى تفيض المياه على الأرض وتسري” و”عنب مسرى إن فاتك متلقاش ولا كسرة”، وبعد ذلك يكون الشهر الأخير وهو النسيء (الشهر الصغير) ويقع بين 6 سبتمبر وحتى 10 سبتمبر، ويرتبط به مثل شعبي “النسيء تزرع أي شيء ولو في غير أوانه”.

وتشكل الشهور القبطية وما أرتبط بها من عادات اجتماعية وزراعية يمارسها المصريون جميعاً نوعاً من الارتباط بالتراث المصري القبطي، كما أنها تدل على عراقة وأصالة في الهوية والثقافة المصرية، والتي ظهرت من خلال تسجيل الأمثال وحفظها ودلالتها سواء كانت زراعية أو مناخية أو اجتماعية، وتعطي صورة عن الاجتماعية المصرية.

تعليقات
جاري التحميل...

حقوق النشر والتصميم محفوظة لشركة هاشتاج مصر © 2019

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com