عبد القادر مصطفى.. يكتب: جنون الشهرة!

أهم ما في الشجرة جذرها، فهو أول ما يَنبُتُ منها، وهو وَتَدُها وحَافِظ ثباتها، وهو ساقيها و مُغَذِّيها، وهو نقطة اتصالها بالأرض أُمِّها، ورغم ذلك فهو غير مشهور فيها، إذ لم ينل من ثناء الزُّراع، ولا من وصف الشعراء شيئًا، لأنه مطمور في العمق؛ يؤدي دوره بعيدًا عن الأضواء!.

الجِذرُ الذي تقوم حياة الشجرة عليه، لا يُقام له ذكر، ولا تُذكر له مَحاسن، بينما تُتلى آيات المدح في شأن وريقات تذبُل وتسقط، أو في شأن زهرات تنثرها الريح متى هاجت، فهكذا حكم البشر؛ يحكمون للمشهور ولو كان تافهًا!.

فهل قلل انحسار شهرة الجذر من أهمية دوره؟!، وهل زمْجَر الجذر يومًا واستدار ناحية الضوء يبحث عن موضع؟!، الإجابة؛ لا، لأن الأدوار مُقدَّرة، وليست كلها ظاهرة، والأدوار المنزوية عنها الشهرة أكبر وأهم  من الأدوار المُحَاطة بهالات النجومية، ولذا فليس مُهمًا أنْ تكون أين؛ في الجذر، أم في الساق، أم في الأوراق، أم في الثمار؟!، إنما الأهم هو كيف تؤدي دورك.

ومن الحكمة أن ترضى بمكانك أو مكانتك، تعايشًا وتكيُّفًا وليس استسلامًا، حتى يُخرجك الله – إثر سعيك وشكرك – إلى ما ترجو، مُستقبلًا أقدار الله بنفس مُطمئنة، لأن الله يعلم ما فات وما هو آت، وأنت لا تعلم من أمرك إلا حَالُ اللحظة الآنية التي تمر بك، وعليه فاختيار الله لك – رغم سعيك نحو المزيد – هو الخير المؤكد.

إنَّ بعضنا يتقمصُ دور غيره، فيخطئ خطأ كبيرًا، لأن الحياة تطرح النسخ المُقلدة جانبًا ولا يبقى سوى الأصل، نعم؛ قد نتشابه في بعض الأمور من أجل التعايش و إيجاد مساحات للتفاهم، وقد نتخذ من فلان قدوة، ولكن لا يجب أن يتلاشى أحد داخل أحد، فذلك ضد طبيعة الأشياء، وتعافه كل فطرة سوية.

كما إنَّ المُقلدين نازعي جلودهم – بحثاً عن الشهرة – ليضعوا على أبدانهم جلودًا لآخرين، لن يُدركوا من قلدوا، كما لن يَعودوا إلى سيرتهم الأولى، فمن قلده غيره تاهت عنه نفسه، وقصة الغراب الذي قلد الطاووس يومًا تشهد، فلما لم يرضَ الغراب بحاله؛ ذهب إلى طاووس ميت فنزع ريشه وزين به نفسه، وراح يقلد مشيته خيلاء، فرآه بني جنسه فضحكوا عليه، فعرف أنه انكشف، فأخذ ينزع الريش المزور ليعود، لكن كان التقليد الأعمى قد أنساه مشيته، فلا استطاع أن يكون طاووسًا، ولا بقي على أصله غُرابًا!.

وللباحثين عن بريق الشهرة أن يتخيلوا حال جذر الشجرة إنْ أبى العمل في العمق حيث الظلام؛ ماذا سيكون حاله؟!، فلو استدار إلى الأعلى سعيًا لضوء لهلك وهلكت معه كل الشجرة، لذا فالمنقلبون على مِهنهم المجهولة، لا يضرون أنفسهم فقط، وإنما يضرون المجتمع بأسره!.

فإياك أن تبحث عن شهرة، ودعها إنْ شاءت تبحثُ عنك، وما عليك إلا التركيز في مهمتك مهما كانت، وليكن دأبك كدأب صاحب النَّقْب – الذي ذُكر في التاريخ بهذا الإسم بناء على طلبه – رغم أنه أدى عملًا عظيمًا، وتلك قصته؛ كان مسلمة بن عبد الملك بن مروان أحد قادة الفتح الإسلامي الأبطال، وفي يوم حاصر حصنًا تترسن فيه الروم، فندب الناس إلى نقب فيه ليفتحه فما دخله أحد، فجاء رجل غير معروف من عرض الجيش ففتحه، ونادي مسلمة؛ أين صاحب النقب؟

فما جاء أحد، فنادى؛ إني قد أمرت الآذن بإدخاله ساعة يأتي، فجاء رجل فقال للآذن، استأذن لي على الأمير، فقال له؛ أنت صاحب النقب؟، قال الرجل؛ أنا أخبركم عنه، وأتى الآذن مسلمة فأخبره عن الرجل، فأذن له فقال له، إن صاحب النقب يشترط عليكم ثلاثًا، ألا تُسوِّدوا اسمه في صحيفة إلى الخليفة، ولا تأمروا له بشيء من العطاء، ولا تسألوه من هو؟!، قال مسلمة؛ فذاك له، قال الرجل، أنا هو، فكان مسلمة لا يصلي بعدها صلاة إلا قال؛ اللهم احشرني مع صاحب النقب.

وأخيرًا؛ كان الرجل يأتي المدينة قاصدًا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو يجلس بين أصحابه، فيقول: مَنْ مِنْكُمْ مُحَمَدًا؟!، إذ لم يكن له ميزة من مكان أو ملبس بين أصحابه، فهل وصلت الرسالة؟!

تعليقات
جاري التحميل...

حقوق النشر والتصميم محفوظة لشركة هاشتاج مصر © 2019

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com