دكتور نجيب المهدي.. يكتب: عد إلينا

يا غريبا راح يطوي القفار … عد إلينا هل مللت الديار !

إنها الغربة ووجع الاسم يكفي . تلك التي مافتئ الكتاب والمفكرون وأولو الحجى مختلفون في ماهيتها بين معل فضائلها ومشفق على من يتجرع ويلاتها.

لي صديق مغترب سألته يوما عن سني غربته. فأقسم لي أنه لا يعلم، بيد أنه مطمئن فجاره في وطنه يعد عليه سنوات غربته ولا يخطئ العد، ويطالعه به كلما جاء لزيارته، وكأن الغربة نعيم خال من كل شائبة وبات المغترب محسودا عليه، وكأنه الفائز وغيره الخاسر .

لقد نسي هؤلاء أو تناسوا أن المغترب إنسان يهيم في أرض غير أرضه بخطى متعبة ويرجو بعد الطواف مستقرا، شعاره علو الهمة، ونبل المقصد  يجذبه إلي الوطن شعور خفي، ذكريات طفولته وشبابه، أجمل لحظات الدفء التي عايشها في وطن تنسم هواءه، وخطى على أرضه، واستظل بسمائه، ذكريات لا يبددها توالي السنون ولا تكاثر الأعباء.

إنه شعور يعجز اللسان عن وصفه حينما ينأى المغترب عن أبنائه، فرسان أحلامه، وعن بناته أميرات قلبه، يبقى أيامه مستحضرا وجوههم وأصواتهم وصورا تركها ولم تتركه، ذكريات تقض مضجعه وتبعد الكرى عن عيونه، متمثلا بقول بشار بن برد :

أقول وليلتي تزداد طولا  …   أما لليــــــل بعدهم نهـــــار !

جفت عيني عن التغميض حتى … كأن جونها عنها قصار

ومهما أوتي المغترب من بلاغة اللفظ، أو براعة المعنى، أو سعة الخيال، أو قوة الحجة فإنه يقف عاجزا عن وصف شعور اغترابه عن الأهل والوطن.

كفى بالمغترب ألما ذاك الحنين لوطن هو في عينيه أجمل قصيدة في ديوان الأرض، وكأن الحنين يسقي أضلعه فنبت قلب بحب الوطن متيم، يحمل بين جنبيه قلبا لا يسكن عن الخفقان ولا يفيق من الهموم والأحزان، قلب تخالجة العبرات، وتسكنه الزفرات، وما السعادة في حياته إلا لمحات برق تخفق حينا بعد حين في ظلمات الشقاء، هو شاعر بلا قافية ولا بحر، هو أرض خلت من ساكنيها فاستحال خصبها إلى جدب وقفر، فتحية لكل مغترب تحمل كل ذلك، وما ذاك إلا وسام يزين به صدره، تحية لكل من آثر غيره على نفسه وبذل من عمره وأنارت جبينه قطرات تنحدر على وجهه الوضاء هي في الأصل سطور من نور تسجل في له صفحات الزمان: أنه إنسان.

تعليقات
جاري التحميل...

حقوق النشر والتصميم محفوظة لشركة هاشتاج مصر © 2019

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com