دكتور إسماعيل صيام.. يكتب: وصفة لمداواة العشق

ليس هناك شكل فنياً ينشأ من فراغ، وكل من ينشأ من فراغ موضة عابرة وعادة لا تعمر، فكل شكل فنى يرتكز على خلفية فكرية تشكل رؤية الفرد فى عصر معين، وعادةً ما تنشأ الأشكال الفنية حين يحدث نوع من الصدع أو الانفصال ما بين الشكل الموجود السائد وبين الأرضية الفكرية التى كان يستند اليها.

يتم ذلك فى فترات كثيرة في حياه الفنان الإبداعية، فعندما تجد ظروف الهجرة والغربة بعيداً عن جذور الوطن تغير من رؤية الفنان لعالمه وتغير من نظرته للقيم الموروثة وتسود حالة من التشكك فى السائد وتبدأ افكار جديدة تزاحم الافكار القديمة بعيداً عن التصدع الموروث وتصبح غير قادره على استيعاب هذه الحساسية الوليدة، وتبدأ هذه الأرضية الفكرية المتقلقلة تلفظ الأشكال القديمة وتنبت منها أشكال جديدة ولا تلبث أن تستقر حتى يحدث زلزال آخر، يشكل أرضية جديدة بها فكر ورؤية للفنان وبناء من نوع آخر قد يعيده الي ارض الوطن من خلال عمل فني.

وئام عباس

الفنانة “وئام عباس” التي تعيش في الولايات المتحدة الامريكية، بعيدة عن أرض الوطن الأم العراق، الاحداث الاخيره بوطنها استفز ملاكاتها الإبداعية وعاد بها حسياً الي وجدان الوطن، العناصر الفنية عند الفنانةتمثل الخفة والثقل خفة العنصر بإحساسه الرومانسى وثقله ككتلة.

العناصر فى اللوحة تشعر أنها تتحرك فى نص كتابى متوقف فيه زمن مفقود ولكنه يستعاد نص يتم استنساخه من هذا العصر. إذا كان السرد حركة والوصف يساوي السكون، فالفنانه لم تحقق هذه المعادلة، فالعناصر عند “وئام” تتحرك لكنها ساكنة فى حركتها مثل الجداريات التى ترسمها.

إذن النص بصرياً يشكل زمناً متوقفاً وثابتاً لكنه زمن مستعاد يمكن إرجاعه بالرجوع إلى العمل مرة أخرى من خلال استرجاعنا لاعمال الفنانة التي تعبر عن تراث وطن، أياً أن كان الرؤيه فالمساحة تسيطر وتدخل الفنانة فى قانونها الذى يعتبر المساحة سكوناً، وعندما تبدأ الفنانة في الحركة والعمل الجهد يبدأ السكون ثانية، ففى السكون تظل حركة الصورة مرتبطة بالرائى الذى يحدد علاقته بها وبحركتها فقط ، إن ابتعد سوف يسقط العمل فى الصمت وتظل حركته بداخله تتوالد وتظل دائما إلى أن تذوب فى ذاتها. اللوحة “تراثنا ” المساحة مليئة بالعناصر الشعبية من التراث العراقي.

العنصر الرئيسى لأمرأة، ومكحله، ومرش عطرواستخدمت الفنانه الخط العربي كإشاره انتماء للوطن الذي يسكن وجدانها، العناصر خطوطها قويه وناعمة ورفيعة كالحاجب وخصلات الشعر المموج في ضفيرة المرأة، ألالون لدي الفنانة تتقابل وتتضاد وتعطى إحساساً بالقيمة الجمالية.. يتأكد ذلك فى المرأة ذات الأنوثة الخالصة، التي تاكدها بقيمه التفاصيل التى تعطى دلالات أكبر على أنوثتها العربية.

لوحة وصفة لمداواة العشق

ألوان متناغمة تعطى إحساس بالسكون، ليس هناك حركة قوية تنفر لكنها تعطى المعنى الخاص بثقل الكتلة. المرأة تتتصدر المشهد. غالب على الوجه اللون البني والشعر المموج بالبنيات المطعم بالابيض والجدائل المموجة يتخللها اللون الأسود. العين باللون البنى الفاتح وخطوط العين مقوسة والأنف خط مستقيم حاد مواز لمرش العطر الأكثر حجماً من المرأة باللون البنى المطعم بالبرتقالى. اللون البني يربط العنصرين معا. لون الخط العربي باللون الأزرق الفاتح وخلفيته الازرق الغامق يتسرب إليه اللون الابيض تظهر في الزخرفه والتجسيم وضربات خفيفة من الفرشاة باللون الأبيض للإضاءة.

خطوط المكحله تشابه إلى حد كبير خطوط المرش وذلك للربط والاتزان اللونى بين العناصر. العناصر مسيطرة على المساحة إلا جزء صغير فى الخلفية فى أعلى اللوحة باللون الأزرق السماوى. الشكل تعبيرى صامت يشعرك بحركة صامتة .

حالة من العشق تربط العناصر الفنية بشئ من الدفء والرومانسية. عمل فني له مذاق خاص ورؤية خاصة. الفكرة تحمل نوع من الدلالات الخاصة داخل الفنانة التي تعيش بالولايات المتحدة الامريكيةقد تكون دلالة لحالة حب ما.

الفنانة لها رؤيتها الخاصة ووسيلتها فى ذلك رسمت اللوحة بطريقة تقسيم مسطح العمل الفني الي مربعات ومستطيلاتالعناصر داخلها كأنها في حد ذاتها لوحة منفصلة عن الشكل الرئيسي لكنهاتربط عناصرها بلون وحس موحد، اللوحة مستطيلة الشكل تشتمل على اكثر من عنصر. حالة من الود والألفة تجمع  بينهم إن جاز التعبير.

الفنانة ” وئام عباس ” استخدمت الألوان الساخنة ، فبقعة اللون الأحمر تغطى المساحة فى ثياب المرأة وفي خلفيته . مقابل ذلك استخدم الفنانه لون من الألوان الباردة فى الخلفيه . كعادة الفنانة فى استخدام لغة التواصل بين عناصرها. عين المرأه أكثر تعبيرية. المكحلة ومرش العطر والحرف العربي منتهي الرقة والوداعة والحس الدرامى لحالة الحس الوجدانى التي تجمع بين العناصر الفنية.

 دلالة أخرى تطرحها الفنانة ” وئام عباس” فى هذا العمل ، فهي تبرز العلاقة الإنسانية بين العناصر على الصراط الإلهامى الفاصل بين الواقع والخيال في غربتها عن الوطن، ربما تكون لحظة حلم من أحلام اليقظة مختزنة فى طفولة الفنانة. تهبط بها بانفعالات لاشعورية تنقلها إلى عالم الواقع. أو ربما تكون حالة تبحث عن زمن انتهى وأرادت الفنانة إعادته من جديد لعالمنا لافتقادنا إليه.

قدرة الفنانة الانفعالية ظهرت فى استخدامها للون الاحمر والبرتقالى على أرضية مطرزة بالبنياتوالتناغم والتباين مع الالوان الاخري. العمل يسمح للمتلقى باستبصار ما داخل النفس عبر اشتباك كلى مباغت على نسيج الصورة .

تعليقات
جاري التحميل...

حقوق النشر والتصميم محفوظة لشركة هاشتاج مصر © 2020

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com