أمنية مرسي.. تكتب: تخاريف واقعية.. الرئيس العاشق فرانسوا ميتران «2»

نُكمل في هذا المقال القصة المثيرة أحداثها للرئيس الفرنسي الأسبق “ميتران”، ورغم أن القصة ظاهرياً تبدو عادية بل ومكررة حيث يقع رجل متزوج وفي منتصف العمر في غرام شابة جميلة على اعتاب العشرين ويرتبط معها بعلاقة غرامية. ولكن إذا دققنا في تفاصيل القصة سنجدها غريبة وفريدة من نوعها ومملوءة بالإثارة. القصة لم تكن مجرد علاقة عابرة من علاقات فرانسوا المتعددة، لأنه ببساطة لا يوجد علاقة عابرة أو نزوة تستمر أكثر من ثلاثين عاماً وتُثمر هذه العلاقة عن طفلة وتأتي برضا الطرفين وكأن وجود هذه الطفلة إعلان صريح لتأكيد حبهما، والأكثر غرابة ان هذه القصة التي ظلت مشتعلة طوال هذه السنوات لم تنتهي الا بموت أحد أطرافها وهو الرئيس الأسبق “ميتران”.

الرئيس الراحل فرانسوا ميتران

ابطال القصة ثلاث أطراف اعتقد انهم عاشوا في معاناة حقيقية لمدة 33 سنة وتقييمي الشخصي انها كانت حياة مؤلمة وظالمة لثلاثتهم بل وكانت ايضاً ظالمة ل “مازارين” الطفلة غير الشرعية والتي جاءت الى هذه الدنيا لتعيش دائماً في الظل بجوار والدتها، بل قمة الظلم لهذه الطفلة لأنها لم تختر هذه الحياة على عكس الثلاث أطراف الاخرين حيث انهم اما اختاروا هذه الحياة او استمروا فيها حتى لو كانت هذه الموافقة بغير ارادة … نحن امام علاقة تشبه المثلث، الثلاث اضلاع متصلين ببعض ووجعهم نابع من هذا الاتصال. والغريب ان طول هذه السنوات لم يفكر ضلع أن ينهي هذا الوضع الشاذ المؤلم، فكأنه الألم المستعذب او كأنهم أحبوا هذا الألم بل وألفوه ايضاً. 

قد يكون أكبر أسباب استمرار الوضع هو غض الصحافة الفرنسية الطرف عن الموضوع، لان وقتها تسربت الاخبار عن علاقة “ميتران” وآن وخاصة بعد ميلاد مازارين سنة 1974 لكن وقتها الاعلام اعتبر ان الحياة الشخصية شيء خاص ولا يجب التدخل فيه حسب ميثاق شرف الاعلام وبالتالي “ميتران” لم يكن تحت ضغط ان ينهي علاقته ب “آن” او ان يوثقها بشكل رسمي. تمر الأيام ومع كل يوم تزيد مسئوليات “ميتران” ويتنافس ثلاث مرات على كرسي الرئاسة يخسر مرتين ويكسب في المرة الثالثة ويصبح رئيس فرنسا ومع تضخم حجم مسئولياته بعد دخوله قصر الاليزيه بدأت مقابلاته مع “آن” و”مازارين” تصبح شبه معدومة وتقل الرسائل بشكل كبير جداً لكن رغم ذلك لم يؤثر هذا كله على حب “ميتران” لـ “آن”.

الأكثر اثارة وحيرة هو أن “ميتران” وقت فترته الرئاسية توطدت علاقته مع صحفية سويدية التقى بها في لقاء اعلامي داخل قصر الإليزيه، واثمرت هذه العلاقة عن ولد غير شرعي ليزيد الأبناء غير الشرعيين الى اثنين (ولد وبنت) الولد اسمه هارفن فورسني ومن مواليد 1988 ويعيش حاليا في السويد ويعمل في المجال السياسي.  قصة الولد غير الشرعي من العشيقة المجهولة، ذكرني بكلام الاديبة الرائعة أحلام مستغانمي:

“في حياة كل رجل حب كبير أخلص له كثيراً ثم خانه الحب او خانته الظروف، فتعلم مع العمر الخيانة. ما من رجل الا هزمته شهوته واستسلم لها يوماً. ومع الوقت لا يعود يشعر بالذنب، انه يخون بجسده لا بقلبه، فهكذا تكوينه”

ماهي مهارات “ميتران” حتى يستطيع ان يحتفظ بسيدتين (زوجة وعشيقة) طول هذه السنوات؟؟؟ سؤال لا اعرف له إجابة لكن الذي لا جدال فيه انه رجل اناني وهو أكثر المستفيدين من هذا الوضع حتى لو لم يكن سعيد به. وهذا كان واضح في أحد رسائله لـ “آن” عندما قال لها انه يستبعد فكرة الطلاق لأنها نقطة ضعف سوف يستغلها منافسيه، وفي رسالة غيرها قال لها فيما معناه انه يعلم ويُقدر التضحية الكبيرة التي تقدمها فقال لها: “عليك ان تعلمي أنني آخذ في الحسبان إلى أي حد يصعب عليك أن تعيشي كل يوم في عدم توافق مع جميع تطلعات كينونتك. أنا ايضاً اغضب من نفسي لأنني لا اساعدك جيداً ولأنني ازيد الأمور تعقيدا ولا أقدم اليك الأمان للحب الذي يجمعنا. انت تعلمين ان الحب ألم بين اثنين”

لا شك انه رجل يعرف من أين تُؤكل الكتف وكيف يستطيع أن يُسيطر بالكلمات على امرأة جميلة كـ “آن” وبطبيعة رجل كـ “ميتران” كان من الطبيعي ان يُفضل المكاسب السياسة ويضعها اول الأولويات لان هذه هي طبيعة شخصية رجل برج العقرب (ميتران مواليد 26 أكتوبر) الذي دائماً ما يختار حياته العملية قبل حياته الشخصية، بمعنى آخر الشغل اهم واولاً. ولا ننكر انه سياسي محنك من الدرجة الأولى استطاع ان يعيش حياة مزدوجة ينجح بها بل ويصل إلى كرسي الرئاسة ايضا.

“ميتران” رجل عاش حياتين بشخصيتين مع سيدتين واحدة يُحبها بالتأكيد وهي “آن” والثانية على الأقل أحبها في يوم من الأيام فتزوجها وأنجب منها طفلين. وربما استعان بنصيحة انيس منصور عندما قال “ذاكرة الست زي الطاسة التيفال مابيلزقش فيها الغزل” وده كان واضح وصريح في رسائله لـ “آن” واللي لأخر لحظة في حياته يؤكد فيها على حبه لها. 

ولكن الغريب بالنسبة لي لم يكن مواقف “ميتران” ولا اختياراته بل كانت مواقف وقناعات واختيارات السيدتان “آن” و “دانييل” كيف لشابة جميلة، غنية، ومثقفة أن تقف ضد رغبة أهلها وان تضرب بتقاليد الكاثوليكية عرض الحائط وتقبل ان تكون مجرد عشيقة لرجل سياسي، “ميتران” وقت تعرف إلى “آن” لم يكن الرئيس. لدي كثير من التساؤلات التي لا أجد لها تفسير منطقي: 

هل خلال كل هذه السنوات لم تقابل “آن” شخص آخر؟ 

ألم تشعر بالاحتياج له في مواقف غاب فيها فيستفز الغياب الانثى بداخلها فتثور على هذا الوضع الغريب؟

هل ما ابقاها الحب؟؟ ام الأمان؟؟ ام هي التي قررت ان تبقى بغض النظر عن وضعها؟

أسئلة كتير بدون إجابات منطقية ولكن ربما لأن الحب لا منطق له فلا نستطيع نحن أن نستوعب الأمور. أتمنى أن تُفاجأنا “آن” أو “مازارين” في يوم من الأيام بخطابات “آن” رداً على رسائل “ميتران” لكي تكتمل القصة ونعرف ماذا كان بداخل قلب آن وكيف عبرت عنه.

وأعتقد أن نشر رسائل فرانسوا كانت خطوة ذكية وجريئة وبها جزء من رد كرامة “آن” امام الشعب الفرنسي فلربما بعد أن يقرأ الناس رسائل “ميتران” يلتمسوا العذر لـ “آن” ويعلموا لماذا قبلت بهذا الوضع طوال هذه السنوات، بالإضافة إلى الملايين التي حققتها مبيعات الكتابين.

أما فيما يخص مدام “دانييل” الزوجة الرسمية لابد انها اكتشفت علاقة “آن” و “ميتران” وأستطيع أن اتخيل الجرح التي عاشته، هي ايضاً قبلت وضع مؤلم على أي سيدة ولم تطلب الطلاق. هل توقفت عن حبه؟؟ أم كانت في حاجة للوضع الاجتماعي من كونها زوجة أحد مشاهير السياسة والسيدة الأولى لاحقاً؟ هل كانت تخشى التغيير؟ هل لم تملك بدائل؟ أم تغلب حبها لـ “ميتران” على كرامتها كأنثى؟؟؟ حقاً لا اعلم لماذا استمرت هي الأخرى في قبول هذا الوضع؟ 

والجميل أن للسيدتين موقفان غاية في الرقي والجمال ويبعدان كل البعد عن “حركات الستات” الموقف الأول عندما سمحت دانييل لـ “آن” وبنتها حضور جنازة “ميتران” لتوديعه وهذه كانت المرة الأولى التي تظهر فيها عشيقة الرئيس وابنته غير الشرعية على العلن. وسريعا ما التقطت الصحافة صور لهم ونزلت في الاخبار بالخط العريض تحت عنوان “الابنة غير الشرعية للرئيس الراحل فرانسوا ميتران” والموقف الثاني كان لـ “آن” عندما لم تنشر رسائل “ميتران لها اثناء حياة “دانييل” بل نشرتها بعد موت دانييل بخمس سنوات. اتخيل مواقف مختلفة لاثنين ستات مفروسات من بعض. 

أخيراً سنظل أمام كثير من الأسئلة التي لا إجابة لها إلا عند أصحابها ولكن أتمنى أن تكتب “آن” مذكراتها فقد نجد فيها إجابات لهذه الأسئلة. أما فيما يخص “ميتران” فهو رجل فاجر وقادر وتغلب على رشدي اباظة فارس احلام بنات جيل السبعينيات لان تحية كاريوكا لما قفشته بيخونها رمت له هدومه في الشارع وطلبت الطلاق بل واصرت عليه وفشلت كل محاولات الصلح معاها اعتقد حالياً لسان حال كل الرجال يقول: ليت الرئيس الراحل منحنا وصفته السرية التي ساعدته على الاحتفاظ بكل نساءه ولم تجرؤ احداهن يوماً على التمرد أو التغريد خارج السرب.. انها حقاً تخاريف ولكنها واقعية.

تعليقات
جاري التحميل...

حقوق النشر والتصميم محفوظة لشركة هاشتاج مصر © 2019

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com