أحمد علوي.. يكتب: الإيقاع صفر

عام 1974 أقامت فنانة الأداء الصربية “مارينا أبراموفيتش” عرضًا تحت عنوان “الإيقاع صفر”، حيث وقفت إلى جوار طاولة وُضع عليها نحو (72) أداة متنوعة كالزهور، وشفرات الحلاقة، وزجاجة عطر، وسكاكين، وقبُعة، وسلاسل حديدية، وشراب عنب، إضافة إلى مسدس يحوي طلقة واحدة، وغير ذلك من الأدوات المختلفة التي دعت الجمهور في قاعة العرض لاستخدامها معها على النحو الذي يفضلونه دون أن تُقدم على القيام بأي رد فعل أو حركة طوال (6) ساعات (هي المدة المقررة للعرض).

فنانة الأداء الصربية مارينا أبراموفيتش

في البداية كان تفاعل الجمهور مقبول نسبيًا وفي إطار محاولات استكشاف مدى جّدية العرض، حيث قام البعض بالاقتراب منها وتصويرها، ثم تطورت الأمور إلى لمسها وتقبيلها، وبعد مرور نصف مدة العرض تقريبًا أصبح الجمهور أكثر عدوانية بعد أن تأكد الجميع من عدم قيامها بأي رد فعل مهما كانت أفعالهم، فقد مزقوا ملابسها ووخزوها بأشواك الزهور وأصابوها بجروح سطحية باستخدام الأدوات الحادة في رقبتها ووجهها وأماكن أخرى، كما تعرضت للتحرش الجنسي، وأخيرًا كادت أن تفقد حياتها حيث حاول أحدهم تصويب المسدس نحوها لولا تدخل البعض.

وبعد انتهاء مدة العرض بدأت “مارينا” بالتحرك بين الحاضرين الذين أفسحوا لها المجال دون النظر لوجهها، وحسب ما قالت الفنانة “بدوا وكأنهم يتهربون من المواجهة ويريدون نسيان ما حدث ببساطة”.

كانت تجربة “مارينا أبراموفيتش” بمثابة اختبار لسقف الأفعال حال ضمان رد الفعل وعدم المقاومة وتوافر الظروف الملائمة وحرية الاختيار الكاملة.

وما حدث هو تطور تدريجي للأفعال من المستوى الأقل بعد اختبار رد الفعل عليه إلى المستوى الأعلى بعد التأكد من مجانية الاختيار مهما كان، وكانت تلك نقطة التحول للأفعال الأكثر عنفًا.

طاولة الادوات المستخدمة

يمكنك أن تتساءل لماذا وضعت الفنانة نفسها رهن الاختيار الحر دون ضوابط (برغم علمك بأنها كانت تخوض تجربة لم تكن تتوقع نتائجها) فكيف لعاقل أن يترك المساحة الكاملة لاختيار طرق التعامل معه معتمدًا فقط على المبادىء والمثل في مواجهة استسلام تام وفي غياب كامل لأي رد فعل، ولكن.. بنفس المنطق وانطلاقًا من نفس النقطة.. لا يمكنك تجاهل فجاجة أفعال الجمهور متكئًا على سماحها لهم بذلك، فكانت دعوتها لهم هي اختيار ما يفضلونه من بين (72) خيار إن أرادوا التفاعل.

لم يختر الجمهور ما يفضلونه فقط، بل تطرقوا لما لم تفضله الفنانة بكل تأكيد، أعني أنه لم تقتصر أفعالهم على محاولات التحرش الجنسي مثلًا امتثالًا للغرائز الطبيعية فحسب، بل تطورت الأفعال للأذى الجسدي في المطلق، ثم إلى محاولة قتل في مشهد عبثي ودون أدنى طائل، هذا ما قد يحدث في غياب الضوابط، يُصبح المناخ مناسب للسرقة والنهب والبلطجة والتحرش والقتل.. وربما دون دوافع.

سُنت القوانين وتشكلت الأعراف بالأساس لتنظيم حياة الجماعات، وللجميع دور فاعّل ومسؤول ومؤثر في صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع والمؤسسة، والأطراف الثلاث يساهمون في تكوين الصورة الكاملة الناتجة عن ذلك التفاعل بشكل أو بآخر.. بمن في ذلك أصحاب “الإيقاع صفر” بين كل أطراف المعادلة.

تعليقات
جاري التحميل...

حقوق النشر والتصميم محفوظة لشركة هاشتاج مصر © 2020

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com