أحمد عطية.. يكتب: كيف فعلها محمد صلاح؟! (2)

 

لم ينكسر أبداً.. فطريق مو صلاح لم يكن ممهداً ومفروشاً بالورود.. شاب موهوب من الأقاليم يزاحم أبناء القاهرة فى عقر دارهم.. ويطل عليهم يومياً بصورة مستمرة لكى يتدرب فى نادى المقاولون العرب.. يقضى ما يقارب العشرة ساعات يومياً فى المواصلات العامة لكى يواظب على التدريب ويحافظ على مكانه الذى وصل إليه عبر سنوات من اللعب في نادي إقليمى مغمور لا يعرفه أحد.

 

كان طول المسافة وخطورة الطريق وطول الوقت كافيين تماماً أن يهزموا إرادة ذلك الشاب الغض الذى لم يبلغ السادسة عشرة من عمره ويجعلونه يتراجع عن المضى فى الطريق والبحث عن بديل قريب من بيت العائلة.. ولكنه لم ينكسر أمام عوامل الانكسار الطبيعية والتى كانت كافية لتقهر الكثير من الإرادات الانسانية.. مغامرة الذهاب والعودة اليومية فى المواصلات العامة مما يزيد من فرصة تعرضه لحوادث الطريق.. ومشقة السفر لساعات طويلة كافية أن تنهك أى جسد .. ولكنها لم تكن كافية لتحطم وتكسر إرادة ذلك الفرعون المصرى الصغير.. فقد كان بداخله رغبة شديدة فى أن ينجح ويصل.. ولذلك لم يتخلف يوماً عن الميعاد..

 

كل لاعبى مصر بدون استثناء حلمهم الأكبر هو اللعب للأهلى أو الزمالك.. وعندما لاحت للموهوب صلاح الفرصة أن يلعب فى الزمالك.. ثم تلاشت الفرصة مع إعلان السبب بوضوح.. أنه لا يصلح للعب فى الزمالك نظراً لضعف مستواه مما يجعله لا يتناسب مع فريق كبير مثل الزمالك.. كان ذلك كافياً ليرضى بالمكتوب.. ولكنه لم يرضى.. فهو يعرف أن هناك نوراً قوياً فى أخر النفق وأن هذا ليس نهاية المطاف.

 

وعندما احترف فى أوروبا بدأ بداية ناجحة مع بازل السويسري ومنه ذهب إلى تشيلسى الإنجليزى.. لكى يصبح أحد رواد دكة الاحتياطى وأصبح تقريباً متفرج بدرجة لاعب كرة يجلس بجوار الملعب من الخارج مع معاملة قاسية من مدرب مغرور متعجرف.. فلم يستسلم وترك النادي وذهب إلى فيورنتينا وروما الإيطاليان حيث يستطيع أن يلعب كرة القدم الصعبة ولعب وتألق وأعلن عن مواهبه التى اكتسبها من إدمان اللعب فى حوارى وشوارع قريته “نجريج” المصرية.. فلم يذهب إلى أوروبا متطلعاً.. بل ذهب لكى يريهم فنون الكرة الفرعونية التى لم يروها بعد.. لا لكى يشاهد الكرة الأوروبية وينبهر بها من مقاعد البدلاء.. ثم يعود ببضعة دولارات بخفى حنين.

 

ومن إيطاليا أعاد اقتحام ملاعب انجلترا ليتسيدها ويملكها ويحكمها ويملك قلوب ساكنيها بأهدافه الأسطورية وأخلاقه الملكية.. ويتحول لمعبود جماهير ليفربول ويعشقه الإنجليز جميعاً.. الفرعون المصرى.. الذى لم تكسره المسافات والأزمنة وقهر البشر.. لم يستجيب لدعوات الإحباط.. وحول كل لحظة هزيمة وانكسار فى حياته لبداية انتصار جديد ومجد تليد.

 

لم يستجب صلاح لكل نداءات التراجع والاستسلام والرضى بالمكتوب.. بل داس عليها جميعاً وصعد فوقها واستكمل طريقه نحو قمة مجد لم نعرف مداها بعد.

محمد صلاح مع زملاء رحلة الكفاح في محطة القطارات
Comments
Loading...