أحمد عطية يكتب : حق الحياة .. بعيداً عن الأبراج

تخطيط‭ ‬المدن‭ ‬هو‭ ‬فن‭ ‬من‭ ‬فنون‭ ‬الحياة‭ ‬الذي‭ ‬يضمن‭ ‬للإنسان‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬مستواه‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬والتعليمي‭.‬

والمدينة‭ ‬مثلها‭ ‬مثل‭ ‬جسد‭ ‬الانسان‭ .. ‬لابد‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬متناسقة‭ ‬ومحتواها‭ ‬المعماري‭ ‬متناسق‭ ‬مع‭ ‬نمط‭ ‬المعيشة‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬إنشاءها‭ ‬من‭ ‬أجله‭ .. ‬ولذلك‭ ‬فالمدن‭ ‬الصناعية‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬تصميمها‭ ‬وتخطيطها‭ ‬عن‭ ‬المدن‭ ‬التجارية‭ ‬ويختلف‭ ‬تصميم‭ ‬العاصمة‭ ‬عن‭ ‬محافظات‭ ‬الأقاليم‭ .. ‬وكل‭ ‬شيء‭ ‬يتم‭ ‬فيها‭ ‬وفقاً‭ ‬لقواعد‭ ‬علمية‭ ‬متعارف‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬أجمع‭.‬

وعبر‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬عانت‭ ‬مصر‭ ‬من‭ ‬طغيان‭ ‬العشوائيين‭ ‬وسيطرتهم‭ ‬على‭ ‬الأراضى‭ ‬والعقارات‭ ‬فكانت‭ ‬العشوائيات‭ ‬التي‭ ‬غرقنا‭ ‬فيها‭ .. ‬وتحولت‭ ‬المهندسين‭ ‬ومدينة‭ ‬نصر‭ ‬وغيرهم‭ ‬إلى‭ ‬عشوائيات‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬حديث‭ .. ‬وتحولت‭ ‬أحياء‭ ‬فيصل‭ ‬والهرم‭ ‬وإمبابة‭ ‬وبولاق‭ ‬الدكرور‭ ‬وأرض‭ ‬اللواء‭ ‬وغيرهم‭ ‬لعشوائيات‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬شعبي‭ ‬ترتفع‭ ‬فيها‭ ‬الأبراج‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬عرضها‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬ستة‭ ‬أمتار‭ .. ‬ولك‭ ‬أن‭ ‬تتخيل‭.‬

وفسدت‭ ‬حياة‭ ‬البشر‭ .. ‬فكل‭ ‬هذه‭ ‬الأحياء‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مصممة‭ ‬لكل‭ ‬هذه‭ ‬الأعباء‭ ‬البشرية‭ ‬واحتياجاتهم‭ ‬من‭ ‬المياه‭ ‬والشوارع‭ ‬والصرف‭ ‬الصحي‭ ‬والخدمات‭ ..‬‭  ‬وأصبحت‭ ‬المعاناة‭ ‬جزء ‬أساسي‭ ‬لا‭ ‬يتجزء‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يقطنون‭ ‬هذه‭ ‬الأحياء‭ .. ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬المستوى‭ ‬المعيشى‭ ‬والتعليمي‭ ‬والمادي‭ ‬والاجتماعي‭.‬

وبعد‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬المريرة‭ ‬التي‭ ‬مررنا‭ ‬بها‭ ‬جميعاً‭ .. ‬وعايشنا‭ ‬كل‭ ‬فصولها‭ ‬وهي‭ ‬تنمو‭ ‬أمامنا‭ ‬يوماً‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬والتي‭ ‬أصبحت‭ ‬رمزاً‭ ‬لفساد‭ ‬المحليات‭ .. ‬كان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬والمفروض‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬قد‭ ‬استوعبنا‭ ‬الدرس‭ .. ‬وأدركنا‭ ‬أن‭ ‬الفساد‭ ‬والجهل‭ ‬الإداري‭ ‬قد‭ ‬أفسد‭ ‬ما‭ ‬صنعته‭ ‬الأجيال‭ ‬السابقة‭ .. ‬فكان‭ ‬من‭ ‬الواجب‭ ‬أن‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬قادم‭ .. ‬ونتوسع‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬القواعد‭ ‬والأصول‭ ‬في‭ ‬تصميم‭ ‬المدن‭ ‬الجديدة‭ .. ‬وحسناً‭ ‬فعلنا‭ ‬عندما‭ ‬تم‭ ‬إنشاء‭ ‬المدن‭ ‬الجديدة‭ ‬على‭ ‬النسق‭ ‬الطبيعي‭ .. ‬من‭ ‬الارتفاعات‭ ‬المنخفضة‭ ‬والشوارع‭ ‬المتسعة‭ ‬والحدائق‭ ‬الخضراء‭ ‬والأسواق‭ ‬المتعددة‭ ‬المستويات‭ ‬والمنفصلة‭ ‬عن‭ ‬التجمعات‭ ‬السكنية‭ .. ‬فكل‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬مرحلتي‭ ‬الستينيات‭ ‬والسبعينيات‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المدن‭ ‬الجديدة‭ ‬أصبح‭ ‬هو‭ ‬الحلم‭ ‬الحالي‭ ‬لكل‭ ‬مصري‭.‬

ونرى‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يحدث‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬الدولة‭ ‬بإنشاءها‭ ‬لمحدودي‭ ‬ومتوسطي‭ ‬الدخل‭ .. ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬الإسكان‭ ‬الفاخر‭ ‬في‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬والشيخ‭ ‬زايد‭ ‬والتجمع‭ ‬الخامس‭ ‬وغيرهم‭.‬

واذا‭ ‬بنا‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬نُفاجىء‭ ‬ويُفاجأ‭ ‬سكان‭ ‬مدينة‭ ‬الشيخ‭ ‬زايد‭ ‬والتي‭ ‬تعتبر‭ ‬أحد‭ ‬المدن‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تصميمها‭ ‬بعمارات‭ ‬وبيوت‭ ‬منخفضة‭ ‬الارتفاعات‭ ‬بمشروع‭ ‬أبراج‭ ‬سكني‭ ‬يختلف‭ ‬في‭ ‬بناءه‭ ‬وبنيته‭ ‬عن‭ ‬الطابع‭ ‬المعماري‭ ‬والتخطيطي‭ ‬للمدينة‭ ‬بالكامل‭ .. ‬وكأن‭ ‬ريما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬لعادتها‭ ‬القديمة‭ .. ‬ويأبى‭ ‬هؤلاء‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يفسدوا‭ ‬حياة‭ ‬المواطنين‭ ‬الذين‭ ‬تركوا‭ ‬الزحام‭ ‬والتكدس‭ ‬ودفعوا‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬أموالهم‭ ‬وغادروا‭ ‬القاهرة‭ ‬والجيزة‭ ‬لينعموا‭ ‬بالهدوء‭ ‬والاتساع‭ ‬والهواء‭ ‬النظيف‭.‬

الأبراج‭ ‬تحتاج‭ ‬لتجهيزات‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ .. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يتوافر‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للمدينة‭ .. ‬والتي‭ ‬تم‭ ‬تصميمها‭ ‬لغرض‭ ‬السكن‭ ‬فقط‭ .. ‬وتجربة‭ ‬الأبراج‭ ‬السكنية‭  ‬وسط‭ ‬المدن‭ ‬السكنية‭ ‬ثبت‭ ‬فشلها‭ ‬بكل‭ ‬المقاييس‭ .. ‬بل‭ ‬تعتبر‭ ‬علامة‭ ‬فساد‭ ‬نظراً‭ ‬لاختراقها‭ ‬وكسرها‭ ‬كل‭ ‬المواثيق‭ ‬والعقود‭ ‬والتي‭ ‬يتم‭ ‬تصميم‭ ‬المدن‭ ‬السكنية‭ ‬وفقاً‭ ‬لها‭ ‬والتي‭ ‬تم‭ ‬التعاقد‭ ‬عليها‭.‬

من‭ ‬لا‭ ‬يقرأ‭ ‬التاريخ‭ ‬لا‭ ‬ينتظر‭ ‬الخير‭ .. ‬والمدن‭ ‬السكنية‭ ‬الجديدة‭ ‬هي‭ ‬مستقبل‭ ‬وأمان‭ ‬مصر‭ .. ‬حيث‭ ‬بيئة‭ ‬نظيفة‭ ‬وحياة‭ ‬اجتماعية‭ ‬مستقرة‭ .. ‬والكل‭ ‬يعرف‭ ‬بعضه‭ .. ‬حيث‭ ‬الأمان‭ ‬والراحة‭ ‬النفسية‭ ‬والهدوء‭ .. ‬وحيث‭ ‬التوسع‭ ‬الأفقي‭ ‬والانتشار‭ ‬السكاني‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬التلوث‭ ‬والزحام‭ ‬والعشوائية‭.‬

ولذلك‭ ‬فأنا‭ ‬متضامن‭ ‬مع‭ ‬سكان‭ ‬مدينة‭ ‬الشيخ‭ ‬زايد‭ ‬وإن‭ ‬كنت‭ ‬لست‭ ‬منهم‭ .. ‬ومع‭ ‬حق‭ ‬كل‭ ‬مدينة‭ ‬سكانية‭ ‬مصرية‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬أبراج‭ ‬سكانية‭ ‬أو‭ ‬تجارية‭ .‬‭. ‬دعونا‭ ‬نسترجع‭ ‬حياتنا‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬أطماع‭ ‬بعض رجال ‬الأعمال‭ .‬

تعليقات
جاري التحميل...

حقوق النشر والتصميم محفوظة لشركة هاشتاج مصر © 2019

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com