أحمد عطية.. يكتب: حتى ينجح نظام التعليم الجديد (5)

اختفاء الدروس الخصوصية قد يعود بالمجتمع كله للمسار الإنسانى الطبيعى.. فلنا أن نتخيل حجم المليارات التى يدفعها المصريون وتستنزفهم على مدار سنوات التعليم الأساسى وتؤثر على مستوى معيشتهم وتكدر عليهم حياتهم وهى تقدر سنوياً بحوالى ١٥ مليار جنيه وذلك بجانب عدة مليارات أخرى يتم ضخها فى وسائل المواصلات للذهاب لأماكن تلقي الدروس ومليارات أخرى لمكالمات المحمول التى تتم لتنسيق المواعيد واطمئنان الأهل على الأبناء الذين يقضون معظم يومهم خارج البيوت.. وأضف على ذلك مليارات أخرى لتناول الطعام خارج البيت بصورة شبه مستمرة.. ناهيك عن الزحام فى الطرقات حتى ساعات متأخرة من اليوم.. كل هذه الأموال سوف يتم إعادة ضخها فى الإقتصاد المصرى سواءً على هيئة مدخرات فى البنوك أو عمليات شراء تنعش الأسواق المصرية وتنعش الاقتصاد المصري.

سوف يعود الطالب ليتواجد فى بيته فترات أطول ويتواصل أكثر مع أفراد أسرته ويؤدى دوره كعضو فعال فى أسرته.. وهو ما يزيد من ارتباطه بالأسرة.. حيث تستطيع الأسرة المصرية أن تتجمع أكثر فى البيت كما كان يتم سابقاً.

شعور الطالب باحتواء وطنه له وتوفير التعليم المناسب لإمكانياته وقدراته هو أول خطوة صحيحة لبناء الانتماء الوطنى الحق والإعتراف بالفضل لهذا الوطن.. أن يتعلم حب الوطن والإنتماء له فى المدرسة عبر المعاملة الكريمة ومن المناهج التعليمية التى يتم إعدادها وفقاً لدراسات علمية حقيقية ووفقاً لاحتياجات الوطن.. وأن تتم العملية التعليمية جانباً بجنب مع العملية التربوية المدروسة وأن يتم ذلك كله فى المدرسة الحكومية ووفقاً لرؤية وطنية متكاملة تحت بصر المجتمع ومراقبته حتى ينهى الطالب تعليمه وفقاً لمتطلبات الجودة الوطنية والعالمية.

وكما ذكرت سابقاً أن البداية الحقيقية والعادلة للقضاء على هذا الكابوس المسمى بالدروس الخصوصية هو زيادة دخل المعلم زيادة عادلة تكفل له حياة كريمة.. وهو ما يتطلب ميزانية مختلفة للتعليم من ناتج الدخل القومى.. وهو ما يعنى مزيد من التضحيات المجتمعية والوطنية لتحقيق هذا الهدف.. ومهما كانت التضحيات المادية.. فإن النتيجة النهائية سوف تكون مربحة للجميع .. فسياسات التقشف العام وإعادة توزيع الناتج الاقتصادى القومى ليصب معظمه فى التعليم هو الاستثمار الأنجح على الإطلاق.

قد يتطلب الأمر كما ذكرنا من قبل مضاعفة عدد المدارس والفصول التعليمية.. ومضاعفة عدد المعلمين بتعيين المزيد من شباب المعلمين.. فطبيعة المرحلة تتطلب الاستجابة القوية والسريعة لنظام التعليم الجديد ووفق الرؤية الجديدة وبأقل مقاومة ممكنة للتغير الذى سوف يحدث.. وهى كلها حلول قد تؤدى لتحقيق نجاح المنظومة التعليمية الجديدة.. حيث يتوفر المناخ المناسب بزيادة الفصول الدراسية وتقليل الكثافات فى الفصول وزيادة عدد المعلمين المؤهلين والمقتنعين لتنفيذ النظام الجديد.

وحتى نضمن للتجربة صحة ودقة التنفيذ لابد من ابتكار منظومة رقابية حقيقية على مجريات العملية التعليمية وحتى يتم التأكد أنها تتم كما يجب أن تكون وهذا هو الدور المستقبلى لكل الهيئات والمؤسسات القائمة والمسئولة عن جودة التعليم .. فقد حان لها أن تقوم بدور فعلى وحقيقى على الأرض بعيداً عن ترتيب وتضبيط الأوراق والملفات الورقية التى لا تعبر عن الواقع.. وحتى يتم تحقيق الهدف المنشود وهو أن يكون الطالب (المنتج النهائى) عندما ينتهى من مرحلة التعليم الأساسى يتوافر فيه المواصفات التى تحتاجها المرحلة الجامعية أو سوق العمل اذا كان التعليم فنى أو تجارى أو زراعى.. وأن يكون مستوى جودة الطالب وفقاً لمستويات الجودة العالمية وحتى تتحسن صورتنا أمام العالم ونحتل مراكز متقدمة فى الترتيب العالمى.. كفانا من المركز الأخير.

وحتى تكتمل رؤية القضاء على الدروس الخصوصية والدخول فى عقد تعليمى جديد ومتطور يجب أن تكتمل الرؤية التشريعية بقانون يجرم إعطاء الدروس الخصوصية بكافة صورها وأشكالها.. وأعتقد أن هذه المواجهة لا تقل أهمية عن مواجهة الإرهاب.. فقد فعلت الدروس الخصوصية عبر سنوات طوال فى هذا المجتمع أكثر مما فعل الإرهاب.. بل هى أخطر حيث كانت قوة تأثيرها تتم بمقدار ضعيف غير محسوس أخذ يتزايد تدريجياً حتى صار واقعاً مراً آثر على جميع مناحى الحياة ومن الصعب تغييره.. ولكن ليس من المستحيل ومن ثم كان وجوب المواجهة فالتعليم هو قضية أمن قومى من الطراز الأول.. وللحديث بقية.

Comments
Loading...