أحمد عطية يكتب .. أبراج العشوائيات وعشوائية الأبراج

منذ‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬سبعين‭ ‬عاماً‭ ‬تم‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬بإنشاء‭ ‬مدينة‭ ‬سكنية‭ ‬على‭ ‬أراضي‭ ‬زراعية‭ ‬تبلغ‭ ‬مساحتها‭ ‬حوالي‭ ‬ستة‭ ‬كيلو‭ ‬متر‭ ‬مربع‭ .. ‬تم‭ ‬تقسيمها‭ ‬لتكون‭ ‬مدينة‭ ‬سكنية‭ ‬بها‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الفيلات‭ ‬والعمارات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬ارتفاعها‭ ‬خمسة‭ ‬أدوار‭ .. ‬وتم‭ ‬توزيعها‭ ‬على‭ ‬أعضاء‭ ‬النقابات‭ ‬المهنية‭ .‬‭. ‬وتخلل‭ ‬الشوارع‭ ‬والفيلات‭ ‬والعمارات‭ ‬مساحات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الحدائق‭ ‬والأشجار‭ ‬والميداين‭ ‬وتم‭ ‬تصميم‭ ‬شوارعها‭ ‬لتتناسب‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬التقسيم‭ ‬المعماري‭.‬

ومع‭ ‬التطور‭ ‬العمراني‭ ‬العشوائي‭ ‬في‭ ‬مرحلتي‭ ‬السبعينيات‭ ‬والثمانينيات‭ ‬بدأ‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬هدم‭ ‬بعض‭ ‬الفيلات‭ ‬وبناء‭ ‬بعض‭ ‬العمارات‭ ‬شاهقة‭ ‬الارتفاع‭ ‬قليلاً‭ .. ‬ونتيجة‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬اجراءات‭ ‬حاسمة‭ ‬وفساد‭ ‬المحليات‭ ‬تم‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بالأبراج‭ ‬والتي‭ ‬يتجاوز‭ ‬عدد‭ ‬أدوارها‭ ‬الخمسة‭ ‬عشرة‭ ‬دوراً‭‬ ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬أخذت‭ ‬الارتفاعات‭ ‬في‭ ‬ازدياد‭.‬

في‭ ‬البداية‭ ‬ازدحمت‭ ‬المدينة‭ .. ‬ثم‭ ‬اختنقت‭ .. ‬ثم‭ ‬تلوثت‭ ‬بعوادم ‬السيارات‭ ‬التي‭ ‬زادت‭ ‬عن‭ ‬سعة‭ ‬شوارعها‭ .. ‬وتضاعف‭ ‬عدد‭ ‬المحلات‭ ‬التجارية‭ ‬مئات‭ ‬المرات‭ .. ‬وامتلاءت‭ ‬الشوارع‭ ‬بالسيارات‭ ‬وتحولت‭ ‬لجراجات‭ ‬كبيرة‭ .. ‬فالأبراج‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬بها‭ ‬جراجات‭ .. ‬وظهرت‭ ‬مشكلات‭ ‬المياه‭ ‬والصرف‭ ‬الصحي‭ ‬لمدينة‭ ‬تم‭ ‬تأسيسها‭ ‬ليقطنها‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬فيلات‭ ‬وعمارات‭ ‬ذات‭ ‬ستة‭ ‬أدوار‭ ‬على‭ ‬الأكثر‭.‬

ومع‭ ‬الوقت‭ ‬انحصر‭ ‬عدد‭ ‬الفيلات‭ ‬وزاد‭ ‬عدد‭ ‬الأبراج‭ .. ‬وأصبحت‭ ‬مدينة‭ ‬ممتلئة‭ ‬بالشركات‭ ‬والمطاعم‭ ‬والفنادق‭ ‬والمقاهي‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬لها‭ ‬أي‭ ‬شكل‭ ‬أو‭ ‬مضمون‭ .. ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬بناء‭ ‬أبراج‭ ‬عشوائية‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬قيم‭ ‬معمارية‭ ‬جمالية‭ ‬وساد‭ ‬الشوارع‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬العشوائيات‭ ‬المصرية‭ .. ‬ومازالت‭ ‬المدينة‭ ‬تحت‭ ‬التفكيك‭ ‬وإعادة‭ ‬التشكيل‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬العشوائية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬الداخلية‭ ‬‭.. ‬ومازالت‭ ‬الحكومات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬تطرح‭ ‬الحلول‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬تلبث‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬منتهية‭ ‬الصلاحية‭ .. ‬ثم‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬حلول‭ ‬جديدة‭.‬

كانت‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬قصة‭ ‬مدينة‭ ‬المهندسين‭ ‬الجميلة ‬والتي‭ ‬تحولت‭ ‬عبر‭ ‬السنين‭ ‬من‭ ‬ضاحية‭ ‬سكنية‭ ‬راقية‭ ‬إلى‭ ‬ضاحية‭ ‬تجارية‭ ‬عشوائية‭ ‬تحمل‭ ‬الهم‭ ‬كلما‭ ‬مررت‭ ‬بها‭ ‬عند‭ ‬حدوث‭ ‬أي‭ ‬ظرف‭ ‬طاريء‭ ‬وهجرها‭ ‬سكانها‭ ‬إلى‭ ‬مدينتي‭ ‬أكتوبر‭ ‬والشيخ‭ ‬زايد ولكن على ما يبدو أنه مكتوباً عليهم أن يواجهوا العشوائيات مرة أخرى في مواجهة فاصلة‭.‬

وعندما‭ ‬كتبت‭ ‬عن‭ ‬مدينة‭ ‬زايد ‬وما‭ ‬يحدث‭ ‬فيها‭ .. ‬لم‭ ‬أبذل‭ ‬أي‭ ‬جهد‭ ‬لكي‭ ‬أتصور‭ ‬ماذا‭ ‬سوف‭ ‬يحدث‭ ‬لها‭ ‬اذا‭ ‬تركت‭ ‬لفساد‭ ‬المحليات‭ .. ‬فقد‭ ‬ذهبت‭ ‬وقرأت‭ ‬التاريخ‭ .. ‬سوف‭ ‬تبدأ‭ ‬النهاية‭ ‬بمجمع‭ ‬الأبراج‭ .. ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬سوف‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شارع‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬من‭ ‬يطمع‭ ‬في‭ ‬الكسب‭ ‬المادي‭ ‬السريع‭ ‬والمريح‭ .. ‬فيهدم‭ ‬ما‭ ‬بنى‭ ‬ويقيم‭ ‬برجاً‭ ‬تحته‭ ‬محلات‭ ‬ويأتي‭ ‬معه‭ ‬الزحام‭ ‬والشركات‭ ‬والسيارات‭ ‬والمحلات‭ ‬والمطاعم‭ ‬والمقاهي‭ .. ‬ثم‭ ‬تتوالى‭ ‬العشوائيات‭ ‬الراقية‭ ‬حتى‭ ‬نشاهد‭ ‬النموذج‭ ‬يتكرر‭ .. ‬ثم‭ ‬يبحث‭ ‬أهلها‭ ‬عن‭ ‬مخرج‭.‬

بينما‭ ‬أكتب‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ .. ‬يكافح‭ ‬أهالي‭ ‬الشيخ‭ ‬زايد ‬لتظل‭ ‬مدينتهم‭ ‬كما‭ ‬أرادوا‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ .. ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬الأبراج‭ ‬والعشوائيات‭ ‬والزحام‭ ‬وشبكات‭ ‬إفساد‭ ‬المدن‭ ‬والحياة‭ .. ‬من‭ ‬أكشاك‭ ‬عشوائية‭ ‬والتوكتوك‭ ‬وسايس‭ ‬الشارع‭ ‬غير‭ ‬القانوني‭ ..  ‬وغيرهم‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬الجعبة‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭.‬

قامت‭ ‬الحكومة‭الحالية‭ ‬بالقضاء‭ ‬على‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬العشوائية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬توفير‭ ‬حياة‭ ‬أفضل‭ ‬للمواطنين‭ ‬المصريين‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الجريمة‭ ‬والتلوث‭ ‬والجهل‭ ‬ووفرت‭ ‬أحياء‭ ‬سكنية‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬سكان‭ ‬هذه‭ ‬العشوائيات‭ .. ‬ومازالت‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭.‬

وتطالعنا‭ ‬الصحف‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬عن‭ ‬مشكلات‭ ‬الزحام‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬نصر‭ ‬التي‭ ‬ردمت‭ ‬بالأبراج‭ ‬العشوائية‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬مخططاً‭ ‬لها‭ .. ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يعملون‭ ‬على‭ ‬قدم‭ ‬وساق‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إفساد‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬الجديدة‭ .. ‬وليست‭ ‬حدائق‭ ‬الأهرام ‬ببعيدة‭ ‬عما‭ ‬يحدث‭ ‬وسيحدث‭ .. ‬وكأن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬العشوائية‭ ‬ويستفاد‭ ‬منها‭ ‬بكل‭ ‬السبل‭ .. ‬والتي‭ ‬هى‭ ‬ضد‭ ‬سياسة‭ ‬الدولة‭ ‬وضد‭ ‬راحة‭ ‬وأمن‭ ‬المواطنين‭.‬

لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أفهم‭ ‬أو‭ ‬أتفهم‭ ‬لماذ‭ ‬هذا‭ ‬التعمد‭ ‬الواضح‭ ‬في‭ ‬التشويه‭ ‬المبكر‭ ‬لمدينة‭ ‬زايد‭ ‬الهادئة‭ ‬والتي‭ ‬مازالت‭ ‬تنمو‭ ‬بهدوء‭ .. ‬ولكنني‭ ‬أفهم‭ ‬تماماً‭ ‬أنني‭ ‬أتضامن‭ ‬معهم‭ ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬المدن‭ ‬الجديدة‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬وكما‭ ‬خطط‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬البداية‭ ‬وهناك‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬نفسه‭ ‬دائماً‭ .. ‬لماذا‭ ‬نفعل‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬بأنفسنا؟‭ .. ‬ثم‭ ‬نظل‭ ‬عشرات‭ ‬السنين‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭.‬

تعليقات
جاري التحميل...

حقوق النشر والتصميم محفوظة لشركة هاشتاج مصر © 2019

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com