أحمد عبد الله.. يكتب: لقاء مستحيل

سيتحدثون اليك يا خالد لا تعبر الصحراء، إنها صحراء الانبار الصماء، كم حصدت من رجالٍ قبلنا ظنو بإنهم الرجال الهمام، القادرين علي البلاء، الأقوياء يوم الوغي، الاشداء وقت الظهيرة، اتريد بلوغ المجد ياخالد أم هزيمة الاعداء، إن سيرنا في تلك الصحراء هلكنا بضعفنا، وإن عبرناها قُتِلنا بسيوف أعدائنا، أو نموت فيها عطشي من لهيب رمالها، انظر يا خالد الي العواقب قبل أن تمضي، لا تسمع الي حديث نفسك وأخبرني ما الذي يدور في عقلك لعلنا نتفادي المخاطر قبل قدومها، لعلنا نستطيع النجاة قبل وقوعنا، إننا نحفر قبورنا بايدينا، إنها صحراء الانبار يا خالد أتفهمني، صحراء الانبار.

بعد طول صمتٍ مكث، وشرودٍ انتكس، خرج خالد عن صمته ونظر بمقتٍ كأنه يشتهي غزالاً فأنصرفت الي فم الاسد، قائلاً له انت لا تعرف خالد بعد، أتراني أنظر الي ذلك المجد اللعين الذي ينتظرني فلا اري عواقب ما يحدث، لقد كنت ذا مجدٍ في الجاهلية، عظيم بين قومي، مكرم محبوب لي السيادة أن اردت، والظفر أن التقيت، لم تكسر لي من قبل رآية، قاتلت النبي مشركاً فانتصرت، واسلمت مع النبي فاعتليت جوادي ولم تسقط مني الرآية وانتصرت، وارسلني ابا بكر الي العرب فأعدتهم الي الرشد، سمع صليل سيفي أصحاب الحجاز وعبرت خيولي فوق انقاض عاد، صهيل خيلي اسمعت أهل العراق فاذاقتهم الرعب قبل أن تلتقي السيوف والرماح.

يا هذا انت لا تعرف خالد بعد، ما كان لخالد أن يسعي الي المجد كي يلقمه، ولكن خالد يسعي الي الشهادة كي يذوقها، خالد الذي أمامك الان ما في موضع في  جسده الا طعنة سيف أو ضربة رمح أو رميت سهم، خالد الذي يقاتل بيمينه وشماله تراه يريد المجد، أم المجد هو الذي يريده ويسعي الي لقياه، خالد يريد الوصول بقوات المسلمين الي اليرموك وهي علي حالها بكامل عتادها وصبرها وعظيم جنودها، اريد أن يتفاجئ العدو بقدومي علي حالي بجيوشي لم ترهقنا صحراء ولم تبدلنا ارقام ولم تغيرنا الظروف، اريد أن يعلم العدو أننا لا نمل ولا نكل واننا قادرون علي محوهم، وعبورنا صحراء الانبار خير دليل أننا قادرون عليهم باذن الله.

أنا علي يقين بأنه لن يردعك رادع في طريقك، ستخترق الجبال وتعبر الصحراء وتمضي نحو هدفك لا تغفل ولا تنام، إنك عنيد تحمل بين يديك طاقة السنين وحنين المستقبل وآنين الماضي، اعلم ان لك نظرة للمستقبل نحن لا نراها، ولو أعطانا الله ربع بصيرتك ما مكثنا علي عيلتنا تلك.

لم يمكث خالد شارداً ببصره طويلاً حتي أعاد النظر إليه فقال، امضي بنصر الله حيث شئت وكن خلوقاً حيث سيرت، وأكتب في قلبك ايماناً لا ينكث، ويقيناً لا يغدر، فليكن في معيتك الله تفز بكل لقاء، فليكن الهم رفيقك، والحزن سبيلك، والرحمة دليلك، والقسوة غريمك، وتعلق بالله وأبكي كصغيرٍ يسعي نحو ثدي امه، توكل علي الله تستقيم.

كم سعيت ان القاك منذ زمان يا خالد، اردت ان أخوض تلك الصحراء معك، وأن ابقي بين يديك أعيش حياة الابطال، أردت أن أقبل تلك اليد التي تحمل سيف من سيوف الله، انك عظيم والشرف لكل عدو نال ضربة من سيفك، سيتفاخر أولئك الجنود الذين ذاقوا الموت من ضرباتك بها في جهنم بين الناس، سيقولون ويتباهون بذلك، قتلني خالد قتلني سيف من سيوف الله، فما بالك لو أن أحدهم ضربك ضربة بسيفه أو طعنك برمح أو رماك بسهم الا تري أنه قد يحدثهم بالسيادة في جهنم لان سيفه احدث خرق في جسدك، يا خالد انت النبض الذي يدق في قلب دولتنا المسلمة، انك السيف الذي لا يهزم، اليوم القاك، وغداً ستحصد سيوفنا سوياً تلك الروؤس اللعينة، إنني الان انال شرف صحبتك وياله من شرف لا يضاهيه شرف، أنه شرف الجلوس بين يديك والقتال معك، إنها لحظة العمر التي تمنيتها، أنه اللقاء المستحيل.. يا خالد لا تنساني إذا ما ارتقت الأجساد.

تعليقات
جاري التحميل...

حقوق النشر والتصميم محفوظة لشركة هاشتاج مصر © 2019

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com